التخطي إلى المحتوى

تتجه المواجهة بين شركات التكنولوجيا الصينية والحكومة الأمريكية إلى ساحات القضاء، بعد أن رفعت شركة تشانجشين لتقنيات الذاكرة CXMT، وهي أكبر منتج صيني لرقائق الذاكرة، دعوى ضد وزارة الدفاع الأمريكية للطعن في تصنيفها باعتبارها «شركة عسكرية صينية». وتأتي هذه الخطوة في وقت تتزايد فيه حساسية واشنطن تجاه أي كيانات قد ترتبط—حتى بشكل غير مباشر—بقطاع الدفاع الصيني، خصوصاً في مجالات السلاسل التكنولوجية الحيوية مثل أشباه الموصلات والذاكرة.

وتطلب CXMT من المحكمة الاتحادية في واشنطن إلغاء قرار التصنيف وحذف اسم الشركة من قائمة البنتاجون. وتؤكد الشركة في دعواها أنها لا تمتلك صلات بالجيش الصيني، وأن رقائق ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية DRAM التي تطورها وتنتجها مخصصة للاستخدامات المدنية والتجارية، وليست للاستخدامات العسكرية. كما تشدد على أن الإبقاء على إدراجها داخل القائمة يفرض قيوداً على التعاملات ويؤثر في قدرتها على المنافسة محلياً ودولياً، بما في ذلك الوصول إلى شركاء وتقنيات وسلاسل توريد مرتبطة بالامتثال لمتطلبات الأمن القومي الأمريكية.

ويعود أصل النزاع إلى يناير 2025، عندما أدرجت وزارة الدفاع الأمريكية CXMT ضمن قائمة الشركات الصينية المرتبطة—وفق تقييم واشنطن—بالجيش الصيني. ورغم الانتقال السياسي داخل الولايات المتحدة من إدارة جو بايدن إلى إدارة دونالد ترامب، تشير الشركة إلى أن التحديث الصادر في يونيو أبقى على تصنيفها دون تغيير.

وترى CXMT أن استمرار إدراجها تسبب في أضرار تجارية واعتبارية ملموسة، وأن هذه الأضرار لم تكن حدثاً عابراً بل استمرت منذ لحظة التصنيف الأول. وتفادياً لتفاقم الآثار، تسعى الشركة من خلال الدعوى إلى وقف القيود الناتجة عن وجود اسمها في قائمة وزارة الدفاع، وإلى استعادة قدرتها على توقيع صفقات وتجديد تعاقدات والتعامل مع جهات تعتمد على سياسات الامتثال المرتبطة بالقوائم الحكومية.

وتكتسب القضية أهمية إضافية بالنسبة للشركة في ضوء توسعها المتسارع داخل قطاع الرقائق. فـ CXMT هي الأكبر في الصين من حيث تصنيع DRAM، وهي رقائق تُستخدم على نطاق واسع في الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر والخوادم، إضافة إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي والأجهزة الإلكترونية التي تتطلب ذاكرة عالية السعة والسرعة. ومع توسع الطلب على مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، تصبح القدرة على توفير DRAM عاملًا حاسمًا للمصنعين والمورّدين، ما يجعل أي عوائق تعاقدية أو قيود على الشراكات أكثر تأثيراً.

وبحسب ما نقلته رويترز، ارتفعت إيرادات CXMT بنسبة 874% خلال النصف الأول من العام، وهو ما يعكس اتساع قاعدة الأعمال وتسارع النشاط الإنتاجي. وفي الوقت نفسه، تطمح الشركة على المدى الطويل إلى دخول السوق الأمريكية، غير أن استمرار تصنيفها قد يجعل تحقيق هذا الهدف أكثر تعقيداً، سواء بسبب القيود التنظيمية أو بسبب أثر «وسم» القائمة على ثقة العملاء والمستوردين.

ومن الناحية القانونية، تجادل CXMT بأن قرار البنتاجون تعسفي ولم يستند—بحسب ما تراه الشركة—إلى أدلة كافية. كما تذهب إلى أن القرار ينتهك حقها في الإجراءات القانونية الواجبة (Due Process). وتقول إنها أمضت أكثر من عام في تقديم معلومات إلى وزارة الدفاع الأمريكية للطعن في التصنيف ومحاولة إزالة اسمها من القائمة، في محاولة لتصحيح ما تعتبره الوزارة خللاً في التقييم أو نقصاً في المبررات.

وتتضمن الدعوى أيضاً واقعة لافتة وقعت في فبراير، عندما نشر البنتاجون إشعاراً يفيد بإزالة CXMT من القائمة، قبل أن يسحب الإشعار في اليوم نفسه. وبحسب رواية الشركة، لم تقدم الوزارة تفسيراً كافياً لاحقاً يوضح سبب التراجع عن قرار الإزالة، ما يعزز—وفق منظور CXMT—فكرة عدم الاتساق أو عدم اكتمال التبريرات.

وتؤكد الشركة أن استمرار تصنيفها لا يجد سنداً واضحاً من السجل الواقعي أو القانوني للقضية، وأنها تفتقر إلى «تبريرات شفافة» يمكن أن تفسر بقاء الوضع كما هو. وتشير إلى أن طبيعة هذا النوع من القوائم لا تقتصر على القيود التقنية، بل تمتد إلى السمعة التجارية، إذ قد تتجنب شركات وشركاء التعامل معها خشية التعرض لمخاطر الامتثال أو تبعات التدقيق.

وليست CXMT الشركة الصينية الوحيدة التي لجأت إلى القضاء الأمريكي في مواجهة هذا النوع من التصنيفات. ففي يونيو، رفعت شركة علي بابا دعوى ضد الحكومة الأمريكية بعد إدراجها على القائمة. كما تمكنت شركة شاومي من إزالة اسمها منها في 2021 بعد اللجوء إلى محكمة أمريكية. وتوضح هذه السوابق أن النزاع لم يعد مجرد مواجهة حول تصدير الرقائق والتكنولوجيا المتقدمة، بل أصبح يتوسع ليشمل شركات بعينها وقدرتها على الوصول للأسواق والعقود الأمريكية والحفاظ على مكانتها ضمن سلاسل التوريد.

وبالنظر إلى موقع DRAM داخل منظومة الحوسبة والذكاء الاصطناعي، قد تتجاوز نتائج هذه القضية حدود شركة واحدة لتؤثر في طريقة تقييم واشنطن للصلة بين الشركات التكنولوجية ومجالات الدفاع، وكذلك في كيفية تعامل الشركات الصينية مع متطلبات الامتثال عند رغبتها في توسيع حضورها عالمياً. وفي النهاية، تعكس الدعوى جانباً جديداً من «حرب الرقائق»؛ حرب لا تتمحور فقط حول التقنية وسلاسل الإنتاج، بل أيضاً حول الحقوق القانونية والقدرة على الاستمرار التجاري في ظل سياسات التصنيف والتحفظات الحكومية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *