يشهد قطاع البترول والغاز والثروة المعدنية في مصر ديناميكية متزايدة خلال السنوات الأخيرة، مع تركيز الدولة على توسيع قاعدة الاستثمارات الأجنبية ورفع معدلات الإنتاج، بما يضمن تلبية احتياجات السوق المحلية وتعزيز دور قطاع الطاقة في دعم الاقتصاد. ويمتد هذا التوجه إلى تشجيع مزيد من الشراكات مع شركات عالمية تمتلك خبرات متقدمة في مجالات البحث والاستكشاف والتنقيب وتطوير الحقول.
وتأتي أهمية القطاع من كونه مؤثرًا في عدة اتجاهات في آن واحد: فهو يساهم في تأمين احتياجات الكهرباء والصناعة من الطاقة، ويعزز استقرار الإمدادات داخل السوق المحلية، كما يدعم فرص التصدير عند توافر فائض إنتاجي، فضلًا عن دوره في تحسين مناخ الأعمال وجذب رؤوس الأموال الأجنبية المباشرة.
وفي هذا الإطار، اتجهت السياسات العامة إلى تقديم حوافز وآليات جديدة لتشجيع الشركات على ضخ استثمارات إضافية داخل مصر. وتشمل هذه الحوافز تسريع إجراءات التراخيص والبت في المتطلبات المرتبطة بعمليات الاستكشاف، وتذليل العقبات التي قد تواجه الشركات أثناء تنفيذ خطط العمل، إضافة إلى العمل على تطوير المسار التشغيلي الخاص بإدارة الحقول وتنميتها بعد الاكتشاف بهدف خفض زمن الانتقال من مرحلة التنقيب إلى مرحلة الإنتاج.
كما تتجه خريطة المستثمرين في قطاع الطاقة نحو مزيد من التنوع. فإلى جانب استمرار مشاركة شركاء أجانب ذوي سجل طويل في العمل داخل مصر، يشهد القطاع دخول مستثمرين من دول عربية وآسيوية وأفريقية، بما يعكس اتساع الاهتمام الإقليمي والعالمي بالفرص الاستثمارية المرتبطة بالثروات المعدنية والموارد البترولية والغازية.
ومن بين أبرز المؤشرات التي تم الاستناد إليها لقياس تطور حجم الاستثمارات ما أشار إليه الدكتور جمال القليوبي، أستاذ هندسة البترول والطاقة، حول مساهمة قطاع البترول والغاز والثروة المعدنية في إجمالي الاستثمارات الأجنبية في مصر، حيث أوضح أنها تتراوح بين 32% و35%. كما ذكر أن حجم الاستثمارات في قطاع البترول والطاقة والثروة المعدنية وصل إلى نحو 19 مليار دولار، معتبرًا أن جزءًا كبيرًا من هذه الاستثمارات يأتي من شركاء أجانب لديهم خبرة متراكمة في صناعة البترول والغاز داخل السوق المصرية، وهو ما يسهّل انتقال الشركات من مرحلة الدراسات إلى مرحلة التنفيذ.
وأوضح القليوبي أن عنصر التنوع في الاستثمارات بات واضحًا، إذ يشارك شركاء من دول عربية وآسيوية وأفريقية، فضلًا عن وجود مشاركة من جنوب أفريقيا في مجالات مرتبطة بالثروة المعدنية. ويرتبط هذا التنوع أيضًا بتوسع نطاق الاهتمام ليشمل ليس فقط الغاز والبترول، بل كذلك فرص التعدين وتطوير منظومة الثروة المعدنية وفق قواعد تنظيمية واستثمارية جاذبة.
ويبرز كذلك دور المتابعة المؤسسية وتوجه الدولة نحو إشراك الشركات في مسارات التخطيط والتنفيذ. فقد أشار إلى أن اهتمام القيادة السياسية بالمستثمرين، ووجود اجتماعات دورية لمراجعة خطط الاستكشاف والبحث والتنقيب، يمثل أحد عوامل جذب الاستثمار. وتتضمن هذه المراجعات عادة متابعة تقدم الأعمال الميدانية، وقياس تقدم عمليات تطوير الحقول، وتقييم معدلات الإنتاج، بما يساعد على اتخاذ قرارات تصحيحية مبكرة وتقليل احتمالات التأخير.
ومن النقاط التي يتم الاستشهاد بها في هذا السياق تجربة حقل ظهر، باعتبارها نموذجًا على تسريع تنفيذ مشروعات كبرى. فقد تم اكتشاف الحقل عام 2015، وبدأت أعمال التنمية والتطوير بالتعاون مع الجانب الإيطالي، قبل أن يدخل المشروع مرحلة الإنتاج في 2019. وتُعد مدة الانتقال من الاكتشاف إلى الإنتاج مقارنة بالمعايير العالمية مؤشرًا على فعالية الإدارة التنفيذية وإزالة العقبات، فضلًا عن تضافر جهود الشركاء الفنيين.
وعند بدء الإنتاج، وصل إنتاج حقل ظهر إلى نحو 3.5 مليار قدم مكعب من الغاز يوميًا، وهو ما انعكس على دعم قدرات الإنتاج المحلي والمساهمة في تلبية جزء كبير من احتياجات السوق. ومن هنا يمكن فهم الترابط بين الاستثمار، والاستكشاف، وتطوير البنية التحتية المرتبطة بالحقول والغاز، ثم الوصول إلى إنتاج فعلي ينعكس على الطاقة المتاحة للقطاعات المختلفة.
وتستهدف التحركات الحالية تحقيق توازن مستمر بين احتياجات التصدير واستراتيجية تأمين إمدادات الطاقة للسوق المحلية. ويظهر ذلك بشكل واضح في الاهتمام بقطاعات الكهرباء والصناعة التي تعتمد على استقرار الإمدادات وتنوع مصادر الطاقة. لذلك تركز الدولة أيضًا على مواصلة دعم مشاريع البحث والاستكشاف عن البترول والغاز والثروات المعدنية، لأن الاكتشافات الجديدة هي أساس توسيع الإنتاج وتقوية القدرة التنافسية للقطاع مستقبلًا.
وبشكل عام، فإن وصول الاستثمارات إلى نحو 19 مليار دولار يعكس مرحلة توسع تتطلب الاستمرار في تحسين بيئة الأعمال، وتسريع مراحل التنفيذ، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية والشركات العالمية لضمان استدامة الإنتاج وتحقيق قيمة مضافة للاقتصاد المصري.

التعليقات