في مثل هذا اليوم، 28 أغسطس 1920، دخلت كرة القدم المصرية التاريخ من أوسع أبوابه، عندما ظهر المنتخب المصري رسميًا للمرة الأولى في بطولة دولية كبرى عبر مشاركته في منافسات كرة القدم بدورة الألعاب الأولمبية التي استضافتها مدينة أنتويرب البلجيكية. لم يكن ظهور “الفراعنة” مجرد مشاركة عابرة، بل كان حدثًا مفصليًا جعل المنتخب المصري أول فريق من أفريقيا والعالم العربي وآسيا يشارك رسميًا في منافسات كرة القدم على الصعيدين الأولمبي والعالمي.
## مصر أول منتخب غير أوروبي في أولمبياد أنتويرب
شهدت دورة أنتويرب الأولمبية عام 1920 مشاركة 14 منتخبًا في مسابقة كرة القدم، وكان المنتخب المصري هو الوحيد بين هذه الفرق الذي جاء من خارج القارة الأوروبية. وبذلك تحولت المشاركة المصرية إلى علامة فارقة مبكرة في تاريخ اللعبة، حيث خرجت كرة القدم من إطارها الأوروبي التقليدي لتتوسع عالميًا، بمساهمة مباشرة من منتخب مصر.
وعلى الرغم من حماس البعثة، كانت الظروف أصعب مما يتخيله البعض؛ إذ لم يكن الاتحاد المصري لكرة القدم قد تأسس بعد. تم الإعلان عن تأسيس الاتحاد في العام التالي، وهو ما جعل عملية تجهيز الفريق والسفر إلى بلجيكا أكثر تعقيدًا، خصوصًا في ظل الحاجة إلى التنسيق الإداري وتكوين تشكيلة قادرة على تمثيل مصر لأول مرة أمام منافسين أوروبيين.
## دعم اللجنة الأولمبية المصرية خلف الكواليس
النجاح في تنفيذ المشاركة التاريخية لم يكن ليحدث دون دور اللجنة الأولمبية المصرية، التي ساهمت في تجاوز كثير من العوائق المتعلقة بتنظيم البعثة وإتمام إجراءات السفر. وبرز دور رئيس اللجنة الأولمبية المصرية، اليوناني الأصل “أنجلو بولاناكي”، بوصفه كان وقتها عضوًا في اللجنة الأولمبية الدولية، ما منح البعثة فرصة أفضل لتسهيل التواصل وتحضير المشاركة.
وضمت بعثة كرة القدم المصرية مجموعة من أبرز لاعبي تلك الحقبة، من بينهم: كامل طه (حارس مرمى)، محمد السيد، عبد السلام حمدي، علي حسني، محمد صبري، جميل عثمان، حسين حجازي، حسن علوبة، توفيق عبد الله، السيد أباظة، زكي عثمان، حسن علي علوبة، محمد صبحي الأتربي، رياض شوقي، محمود مختار صقر، محمد خيري وعباس صفوت. كما ضم الوفد: المهندس الزراعي محمد صبحي كمديرًا للفريق، وأحمد محمد حسنين ضمن البعثة.
## أول مباراة أمام إيطاليا.. على ملعب افتتح حديثًا
بدأت الرحلة رسميًا عندما واجه المنتخب المصري منتخب إيطاليا يوم 28 أغسطس 1920 على ملعب “جوليس أوتين”، الذي كان قد افتتح في العام نفسه. حضر اللقاء نحو 2000 متفرج، وهو رقم يعكس اهتمام الجمهور بتجربة مصر التاريخية، خصوصًا أن الفريق المصري يمثل أول حضور غير أوروبي رسمي في مسابقة كرة القدم بالحدث الأولمبي.
تولى توفيق عبد الله قيادة المنتخب فنيًا، وجاء التشكيل الأساسي كما يلي: كامل طه في حراسة المرمى، محمد السيد وعبد السلام حمدي في الدفاع، ثم رياض شوقي وعلي الحسني وجميل عثمان في خط الوسط. أما الخط الهجومي فضم توفيق عبد الله وحسن علوبة والسيد أباظة وزكي عثمان وحسين حجازي.
### حسن علوبة يُسجل.. أول هدف رسمي لمصر في تاريخ مشاركاته
أظهر المنتخب المصري صلابة كبيرة أمام إيطاليا، ونجح في الصمود مدة 25 دقيقة حتى تمكن أدولفو بالونسيري من تسجيل الهدف للإيطاليين. لكن رد مصر جاء سريعًا، إذ تمكن حسن علوبة من تسجيل هدف التعادل في الدقيقة 30، ليصبح هذا الهدف هو أول هدف رسمي في تاريخ المنتخب المصري.
وفي الشوط الثاني، تمكن المنتخب الإيطالي من حسم المباراة بهدف في الدقيقة 57 عن طريق بريزي، لتنتهي المواجهة بفوز إيطاليا. ورغم الخسارة، ظلت مشاركة مصر الأولى إنجازًا تاريخيًا بحد ذاته، لأنها فتحت الباب أمام حضور عربي وأفريقي في مسابقة أولمبية كانت تهيمن عليها أوروبا.
## انتصار على يوغسلافيا.. تأكيد موهبة “الفراعنة”
واصل المنتخب المصري مشواره في البطولة بمواجهة لتحديد المركز الثامن أمام يوغسلافيا، وذلك يوم 2 سبتمبر 1920 على الملعب الأولمبي في أنتويرب، أمام ما يقارب 500 متفرج. تولى التحكيم الحكم الهولندي رافاييل فان براج.
قدّم المنتخب المصري مباراة قوية وانتهت لصالحه بنتيجة 4-2. سجل حسين حجازي وحسن علوبة هدفًا لكل منهما، بينما أحرز سعيد أباظة هدفين متتاليين. وبالنسبة ليوغسلافيا، سجل أرتور دوبرافيتشيتش ويوفان روزيتش هدفي الفريق المنافس.
## محطة مبكرة غيّرت نظرة العالم لكرة القدم المصرية
بعد أكثر من قرن، ما زالت أولمبياد أنتويرب 1920 محطة استثنائية في سجل منتخب مصر، لأنها لم تكن مجرد مشاركة في جدول مباريات، بل كانت بداية رسمية لمسار دولي طويل. فقد شهدت الدورة الظهور الأول للفراعنة على الساحة الدولية، ورسخت فكرة أن كرة القدم المصرية قادرة على المنافسة المبكرة مع منتخبات ذات خبرة أوروبية.
كما أن هذه المشاركة ساهمت في وضع مصر في مصاف المنتخبات التي سبقت كثيرًا إلى دخول عالم البطولات الأولمبية والعالمية، وهو ما يُعد أثرًا تاريخيًا ممتدًا حتى اليوم، يظل حاضرًا كلما احتفى المصريون بتاريخ كرة القدم وإنجازات بداياتها الدولية.

التعليقات