التخطي إلى المحتوى

مع التحول المتسارع لمنصات التواصل الاجتماعي إلى مصدر أساسي للأخبار والمعلومات، أصبحت الترندات لاعبًا مؤثرًا في تشكيل اتجاهات الرأي العام. غير أن ليس كل ترند يظهر بشكل عفوي، فبعض الاتجاهات الرقمية قد تكون ناتجة عن تفاعل طبيعي من المستخدمين، بينما يتم إعداد أخرى بصورة متعمدة بهدف التأثير في الجمهور أو توجيه اهتمامه لقضية محددة.

يرى الدكتور محمد عزام، خبير تكنولوجيا المعلومات، أن فهم آليات عمل منصات السوشيال ميديا والخوارزميات التي تتحكم في ما نراه يوميًا أصبح ضرورة لتفادي الانخداع بما ينتشر على نطاق واسع. فانتشار المحتوى لا يعني تلقائيًا صحته أو دقته، إذ قد يكون هناك من يعمل على تضخيمه ورفع ظهوره حتى يصل إلى أكبر عدد ممكن.

## ترندات تنتشر بالصدفة وترندات تُصنع بخطط
تختلف طبيعة الترند من حالة لأخرى. فهناك ترندات قد تنطلق تلقائيًا عندما يجد المستخدمون محتوى جذابًا، أو مرتبطًا بحدث مفاجئ، أو يحمل عنصرًا عاطفيًا يدفعهم للتفاعل. في هذه الحالات تكون خوارزميات المنصات غالبًا حريصة على إبراز المواد التي تحقق أعلى معدلات من الإعجابات والتعليقات والمشاركات والمشاهدات.

لكن في المقابل، توجد ترندات مصطنعة يتم التخطيط لها مسبقًا، حيث تعتمد جهات معينة على فهم طريقة عمل المنصات لتحقيق انتشار سريع ومنظم. هنا لا تكون المسألة مجرد نشر فيديو أو منشور، بل عملية تتضمن دراسة دقيقة لسلوك الجمهور ومسارات الوصول داخل المنصة، ثم تنفيذ حملة تضمن وصول المحتوى إلى جمهور أوسع.

## لماذا المحتوى العاطفي أكثر قابلية للانتشار؟
يشير خبير تكنولوجيا المعلومات إلى أن المحتوى الذي يلامس مشاعر الناس أو يثير الانتباه بقوة يميل لأن ينتشر بسرعة أكبر. تُستغل هذه الخاصية أحيانًا في صناعة الترندات، لأن إثارة العواطف مثل الغضب أو الخوف أو التعاطف قد تدفع المستخدمين للمشاركة حتى دون التحقق من التفاصيل.

ومن هنا يظهر دور «الهندسة السردية»؛ أي صياغة الرسالة بشكل يخلق انطباعًا معينًا لدى الجمهور ويوجه تفسيره للحدث. ومع سرعة تداول المعلومات على منصات التواصل، قد يتشكل رأي عام سريعًا قبل أن تتاح فرصة مراجعة المعلومات أو تصحيحها.

## أدوات صناعة الترند: حسابات وهمية وبوتات وتقنيات مساعدة
تقوم بعض الحملات المصطنعة على استخدام أدوات رقمية متعددة، أبرزها الحسابات الوهمية والبوتات. كما يمكن الاستعانة بحسابات تديرها تقنيات الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتوى متكرر أو التعليق ضمن نمط محدد لرفع الإشارات التي تعتمد عليها خوارزميات المنصة.

إضافة إلى ذلك، قد يتم توظيف حسابات ذات تأثير بالفعل (مؤثرين) عبر مشاركة مدفوعة أو ضمن اتفاقات تسويقية، أو حتى استغلال حسابات عامة تم اختراقها لمنح المحتوى دفعة إضافية وتهيئة بيئة يبدو فيها الانتشار «عضويًا».

## كيف تعرف أن الأمر قد يكون تلاعبًا بالخوارزميات؟
من المهم إدراك أن صناعة الترند لم تعد مجرد نشاط عشوائي؛ بل قد تكون سلسلة خطوات تهدف للتأثير في طريقة ظهور المحتوى داخل المنصة. وغالبًا ما يكون الهدف أحد أمرين:
1) توجيه انتباه الجمهور نحو قضية معينة.
2) التأثير في فهم المستخدمين للحدث عبر سرديات مُعدّة مسبقًا.

ولذلك فإن التعامل مع الترند يتطلب وعيًا بدلًا من الانسياق وراء الضجيج. فكلما زاد المحتوى انتشارًا، قد يبدو مقنعًا أكثر، لكن ليس بالضرورة أن يكون صحيحًا أو شاملًا.

## لا تتعامل مع الترند باعتباره حقيقة مطلقة
يشدد الدكتور محمد عزام على ضرورة عدم اعتبار الانتشار الكبير دليلًا تلقائيًا على صحة المحتوى. فالتعليقات الكثيرة والمشاهدات المرتفعة قد تكون نتيجة تفاعل حقيقي، وقد تكون أيضًا نتيجة جهود منظمة لتعزيز الظهور أمام مزيد من المستخدمين.

ولتعزيز الوعي الرقمي، يُنصح بالتحقق من مصادر المعلومات وعدم الاكتفاء بما يظهر ضمن قائمة الأكثر تداولًا. كذلك من الأفضل التمهل قبل إعادة نشر محتوى مثير للجدل أو يحمل ادعاءات حساسة، حتى لا يتحول المستخدم دون قصد إلى حلقة ضمن عملية تضخيم ترند مصطنع.

## الوعي الرقمي خطوة أساسية لحماية نفسك
في ظل تطور أدوات الذكاء الاصطناعي وقدرتها على إنتاج المحتوى وإدارة حسابات رقمية بكميات كبيرة، يصبح «التحقق» و«المراجعة» خط الدفاع الأول. كما تساعد معرفة مبادئ عمل الخوارزميات في فهم سبب وصول بعض المنشورات للجمهور بسرعة، وما الذي يجعلها تتصدر الواجهة.

الخلاصة: راقب الترند بعقل نقدي. حاول التحقق من المعلومة من أكثر من مصدر موثوق، ووازن بين طبيعة المحتوى ومدى اتساقه مع الحقائق، بدلًا من الاعتماد على عامل الانتشار وحده. الوعي بما يحدث خلف شاشة الهاتف لا يقل أهمية عن متابعة ما يظهر عليها.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *