كشف الدكتور هاني سليمان، الباحث في الشأن الإيراني ومدير المركز العربي للبحوث والدراسات، أن الداخل الإيراني ما زال يعيش حالة توتر مستمرة، لكنها لم تصل إلى لحظة الانفجار، وأن ما يواجهه النظام أقرب إلى «النار تحت الرماد»؛ أي حالة احتقان كامنة تتفاعل مع الأحداث ولا تنفجر تلقائيًا.
وأكد سليمان في حديثه ضمن برنامج «الحياة اليوم» مع الإعلامي محمد مصطفى شردي على قناة الحياة، أن كثيرًا من التقديرات التي رُوِّج لها في فترات سابقة حول احتمال انهيار النظام من الداخل لم تكن دقيقة، مشيرًا إلى أن قراءة طبيعة المجتمع الإيراني وتفاعله مع الضغوط الخارجية لم تُبنَ على معطيات كافية أو على فهم عميق لديناميات الولاء السياسي، وإدارة الأزمات، وحدود الانقسام داخل المجتمع.
1) لماذا فشل رهان التحول الداخلي؟
أوضح سليمان أن جزءًا من الخطط الأمريكية والإسرائيلية قام على فرضية استغلال الاحتجاجات التي شهدتها إيران خلال السنوات الماضية لتحريك تغيير داخلي متزامن مع ضربات تستهدف قيادات بعينها، ومحاولة التأثير في بعض المكونات القومية، ومن بينها الأكراد، بما قد يفضي في النهاية إلى إضعاف النظام أو تفكيكه من الداخل.
لكن الواقع، وفقًا للباحث، جاء مغايرًا لهذه الحسابات، إذ ترافقت الضغوط الخارجية مع ما أدى إلى إعادة ترتيب المزاج العام داخل إيران، وتحويل بعض القضايا من مستوى الخلافات الداخلية إلى مستوى مواجهة تدخل خارجي، ما حدّ من فرص تشكل كتلة احتجاجية واسعة قادرة على إسقاط السلطة في تلك المرحلة.
2) الضغوط الخارجية عززت الالتفاف الشعبي
اعتبر سليمان أن التطورات الأخيرة جاءت على عكس توقعات كانت تراهن على تآكل الجبهة الداخلية. فالتصعيد الأمريكي والتفاعل مع المشهد الإسرائيلي ساهم، في نظره، في خلق حالة التفاف حول فكرة الدفاع عن الدولة والكرامة الوطنية.
وأضاف أن استهدافات إسرائيلية طالت مواقع ومنشآت مختلفة—ومنها مدرسة للبنات—ترك أثرًا على المزاج العام، إذ دفع شرائح من المجتمع إلى إعادة تعريف الأزمة باعتبارها عدوانًا خارجيًا، لا مجرد خلاف داخلي مع السلطة. هذه النقلة في الإطار الذهني، بحسب الباحث، انعكست على طبيعة الاستجابة الاجتماعية وأضعفت إمكانية اندلاع تحرك شامل ضد النظام.
وشدد على أن هناك فرقًا واضحًا بين التعامل مع الأزمات الداخلية التي قد تسمح بتفكك نسبي أو احتجاجات محدودة، وبين رد الفعل على الضغوط الخارجية حين تُترجم إلى تهديد لسيادة البلاد أو مساس بالكرامة الوطنية.
3) واشنطن لم تُحسن تقدير «عناد» الداخل الإيراني
لفت سليمان إلى أن واشنطن—بحسب ما تضمنته تسريبات وتحليلات—لم تكن دقيقة في توقع شكل الرد الإيراني، وخصوصًا فيما يتعلق بما وصفه بـ«عناد» الشعب الإيراني وتمسكه بمواقفه عندما يحس بتهديد خارجي مباشر.
وأشار إلى وجود تسريبات تحدثت عن عدم رضا الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عن بعض التقديرات الإسرائيلية الخاصة بكيفية تطور الوضع الإيراني، معتبرًا أن هذه التقديرات دفعت الإدارة الأمريكية إلى مواقف ومناورات لم تكن تتوقع النتائج التي انتهت إليها الأحداث.
كما أوضح أن فكرة انهيار سريع للنظام من الداخل اصطدمت بقدرة مؤسسات الدولة الإيرانية على الحفاظ على الحد الأدنى من التماسك، وبقدرة السلطة على توظيف الصراع الخارجي لدعم خطابها الداخلي، وإعادة بناء سردية “الدفاع عن الوطن” بدل سردية “الاحتجاج ضد النظام”.
4) الاقتصاد الإيراني أمام اختبار متزايد الصعوبة
وعلى الصعيد الاقتصادي، أكد سليمان أن إيران تواجه تحديات متراكمة تحت استمرار العقوبات والضغوط المالية والتجارية، ما يقلص قدرة الاقتصاد على تحمل أعباء إضافية في وقت تتزايد فيه الاحتياجات.
وتأتي الأزمة، بحسب تحليله، في توقيت حساس بالنسبة لطهران التي تحتاج إلى إعادة بناء وتطوير قدراتها العسكرية والاستعداد لسيناريوهات أمنية وعسكرية قد تفرض كلفة أكبر على الدولة. ويزيد الأمر تعقيدًا الجمع بين ضغط العقوبات والحاجة إلى إنفاق دفاعي، خصوصًا مع استهداف العقوبات لمصادر تمويل وقطاعات محددة.
5) الحرس الثوري: القوة الأكثر حضورًا داخل الدولة
في خريطة موازين القوى داخل النظام الإيراني، قال سليمان إن الحرس الثوري يمثل أحد أهم مراكز التأثير، وأن نفوذه لم يعد محصورًا في المجال العسكري فقط، بل امتد عبر عقود إلى أدوار سياسية واقتصادية واستراتيجية.
وذكر أن الحرس—منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979—أسس مؤسسات وقدرات واسعة جعلته لاعبًا محوريًا في إدارة الملفات الحساسة، مع امتلاكه حضورًا داخل أجهزة الدولة.
كما أوضح أن هذا الدور اتسع مع مرور الوقت نتيجة امتلاك أدوات عسكرية متقدمة، وارتباطه بملفات استراتيجية شديدة الحساسية، وفي مقدمتها البرنامج النووي والبرنامج الصاروخي الإيراني.
6) لماذا صار الحرس أقوى من الجيش النظامي؟
يرى سليمان أن الحرس الثوري بات يتمتع بنفوذ يتجاوز الجيش الإيراني النظامي، ويعزو ذلك إلى حالة عدم الثقة التي نشأت بين النظام الجديد والجيش بعد الثورة عام 1979.
وبيّن أن النظام أعاد ترتيب المؤسسة العسكرية وتعزيز قوة الحرس بوصفه قوة أكثر التصاقًا بالبنية السياسية للنظام. ومع الوقت، تحولت هذه المعادلة إلى زيادة في النفوذ والقدرة، ثم اتسع حضور الحرس في مجالات متعددة، بما في ذلك امتدادات بحرية وجوية، مع وجود قيادات موالية للنظام في مواقع تأثير.
7) الخلاصة: المشهد مفتوح… لكن الانهيار السريع غير مطابق للواقع
اختتم سليمان حديثه بالتأكيد على أن المشهد الإيراني لا يزال مفتوحًا على احتمالات متعددة نتيجة تفاعل عدة عوامل: تحديات اقتصادية، وضغوط خارجية، وتوترات عسكرية. ومع ذلك، شدد أن الحديث عن انهيار سريع للنظام من الداخل لا يعكس، وفق تقديره، طبيعة موازين القوى الحالية وقدرة المؤسسات المرتبطة بالنظام على امتصاص الصدمات وتوظيف الأزمات لصالحها.
بذلك، يصبح التفسير الأقرب—من وجهة نظر الباحث—أن “الانفجار” ليس قدرًا محتمًا، وأن الضغوط قد تخلق نتائج عكسية أحيانًا عبر تعزيز الاصطفاف الداخلي، في وقت يحتفظ فيه الحرس الثوري بمفاصل التأثير داخل الدولة.

التعليقات