التخطي إلى المحتوى

تواصل الدولة المصرية تكثيف جهودها لاستعادة القطع الأثرية المصرية الموجودة خارج البلاد، ضمن استراتيجية شاملة تهدف إلى حماية التراث الوطني والحد من الاتجار غير المشروع في الآثار. وتتحرك الجهات المعنية عبر قنوات متعددة تشمل المتابعة الدقيقة للمزادات العالمية، والتواصل مع الجهات المختصة في الدول التي يُشتبه بوجود آثار مصرية لديها، إضافة إلى رصد العروض على المنصات الإلكترونية—بما فيها المساحات غير القانونية على الإنترنت مثل شبكة «الدارك ويب»—لضمان إحباط تداول القطع التي خرجت من مصر بطرق مخالفة.

وفي هذا الإطار، أكد شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، أن مصر تمكنت خلال السنوات الأخيرة من استرداد أكثر من 1500 قطعة أثرية من دول مختلفة، مشيرًا إلى أن المتابعة مستمرة بشكل دائم لكشف أي قطع يشتبه في خروجها أو حيازتها بصورة غير قانونية. وبيّن أن الوزارة لا تكتفي بمعالجة القضايا بعد وقوعها، بل تعمل على رصد المؤشرات مبكرًا تمهيدًا لاتخاذ الإجراءات اللازمة بالتنسيق مع شركائها الدوليين.

خلال العام الماضي: إعادة 60 قطعة من الولايات المتحدة

وأوضح الوزير أن جهود الاسترداد حققت خلال العام الماضي تقدمًا ملحوظًا، تمثل في إعادة 60 قطعة أثرية من الولايات المتحدة. وجاء ذلك ضمن مسارات تعاون مع الجهات المعنية هناك، حيث يتم التحقق من مصادر القطع وعلاقتها بتاريخ خروجها من مصر، واتخاذ خطوات قانونية بالتوافق مع الأدلة المتاحة.

متابعة المزادات لم تعد وحدها: الرصد الرقمي أصبح جزءًا أساسيًا

وكشف الوزير أن آليات الوزارة تطورت لتشمل متابعة الفضاء الرقمي، إذ يتم البحث عن محاولات عرض الآثار المصرية أو تداولها بصورة غير مشروعة عبر منصات مختلفة. وتوجد فرق ومتخصصون داخل الوزارة يتابعون ما يُعرض في الأسواق والفضاءات الرقمية، بهدف تحديد القطع التي تثير الشبهات، ثم التحقق من تاريخها وسجلها ومصدرها، تمهيدًا للتواصل مع الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات التي تحفظ حقوق مصر وتراثها.

ولفت الوزير إلى أن مرحلة الرصد ليست مجرد إجراء استباقي، بل تمثل حلقة محورية في معركة الاسترداد؛ فكلما تم التعرف على القطعة ومصدرها مبكرًا، زادت فرص نجاح التحرك قبل انتقالها إلى حائزين آخرين أو خروجها من نطاق السيطرة عبر البيع السريع أو التوثيق المتلاعب.

ليس كل ما هو بالخارج «مسروقًا»: فحص الحالة بصورة منفصلة

ورغم تشديد الدولة على ضرورة استرداد ما ثبتت مخالفته، أوضح الوزير أن التعامل مع ملف الآثار الموجودة خارج مصر لا يقوم على قاعدة عامة مفادها أن كل القطع التي تعود لمصر خرجت عن طريق السرقة. فهناك قطع خرجت من مصر في فترات تاريخية متعددة باعتبارها هدايا، أو وفق أنظمة وقواعد سادت في عصور سابقة. لذلك، يتم فحص كل قطعة على حدة وفقًا للوثائق المتاحة، وظروف خروجها، والسياق التاريخي والقانوني الذي ارتبط بها.

وفي المقابل، توجد قطع ثبتت عليها مؤشرات واضحة أو أدلة تدل على أنها تعرضت للسرقة أو خرجت بصورة غير مشروعة. هنا تتحرك مصر لاستعادتها من خلال القنوات القانونية والدبلوماسية وبالتعاون مع السلطات المختصة في الدول التي توجد بها تلك القطع.

رسالة مصر للحائزين: الاستعادة حق أخلاقي قبل أن تكون إجراء قانونيًا

جدد شريف فتحي التأكيد أن مصر لن تتوقف عن المطالبة باستعادة القطع التي يثبت خروجها بصورة غير قانونية، ودعا الدول أو الجهات الحائزة لآثار مصرية ثبتت عدم مشروعية مسار خروجها إلى المبادرة بإعادتها، حتى دون انتظار تحرك رسمي من الجانب المصري. وأكد أن قضية الاسترداد لا ترتبط بالإجراءات القضائية فقط، بل تحمل أيضًا بُعدًا أخلاقيًا يتمثل في حماية التراث الإنساني ومنع استمرار آثار نهب الماضي في التداول الحالي، خصوصًا في الحالات التي تكون المستندات فيها محدودة أو لا تعكس سندًا قانونيًا واضحًا.

استرداد 48 قطعة من الولايات المتحدة بعد تحقيقات «FBI»

وتزامنت تصريحات الوزير مع استمرار عمليات إعادة آثار مصرية من الخارج، ومنها استرداد 48 قطعة أثرية من الولايات المتحدة بعد تحقيقات أجراها فريق مكافحة جرائم الفن التابع لمكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي «FBI». وأشارت التحقيقات إلى أن القطع المستردة خرجت من مصر بصورة غير مشروعة، وتنوعت بين منحوتات وتمائم ومعدات جنائزية تعود إلى عصور فرعونية ورومانية وقطبّية.

وتمّت عملية إعادة القطع في مدينة لوس أنجلوس، بعد أن كشفت التحقيقات عدم وجود سجلات كافية تثبت خروجها من مصر بشكل قانوني. كما ساهمت التحريات التي أجراها الحائز الأخير لبعض القطع في ظهور تساؤلات حول مصدرها، قبل التواصل مع السلطات الأمريكية وتسليم الآثار تمهيدًا لإعادتها إلى مصر.

معركة الاسترداد تتوسع دوليًا ورقميًا

تعكس التحركات المصرية أن ملف استرداد الآثار أصبح أكثر تعقيدًا من متابعة القطع في متاحف أو صالات بيع تقليدية فقط. فأساليب تهريب الآثار وتداولها تتطور باستمرار، وانتقلت بعض صور النشاط غير المشروع إلى قنوات إلكترونية تتيح إخفاء المصدر وإعادة تقديم القطع في سياقات قد تُستخدم لتبرير مسارات ملكية مزورة أو غير موثقة.

وبحسب تصريحات الوزير، تعمل الوزارة على توسيع نطاق الرصد والمتابعة والاستفادة من المعلومات التي يمكن جمعها من الأسواق العالمية والمنصات الرقمية. كما أشير إلى أهمية إشراك خبراء الآثار والمتخصصين ومؤسسات المجتمع المدني في دعم الجهود عبر كشف معلومات إضافية، وتوثيق بيانات القطع، والإسهام في بناء ملفات تدعم مسارات الاسترداد.

أكثر من 1500 قطعة عادت إلى مصر

وتشير حصيلة القطع التي تم استردادها إلى حجم الزخم الرسمي الذي تشهده هذه الملفات، إذ تجاوزت آثار استعادت مصر ملكيتها خلال السنوات الأخيرة 1500 قطعة أثرية. وتستمر الجهات المصرية في متابعة ما يظهر من قطع في الأسواق الدولية والمزادات والمنصات الإلكترونية، مع فحص كل حالة على ضوء خلفيتها التاريخية والقانونية بهدف التمييز بين القطع التي خرجت بشكل مشروع والقطع التي يثبت تهريبها أو الاستيلاء عليها بصورة غير قانونية.

وفي النهاية، تؤكد مصر أن التحرك في هذا الملف يأتي كجزء من استراتيجية لحماية الهوية والتاريخ، ومنع الاتجار غير المشروع بالآثار التي تمثل قيمة حضارية وإنسانية لا يجوز التفريط فيها أو تحويلها إلى سلعة بلا سند أو مسؤولية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *