تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة تشكيل نموذج إدارة الرحلات الفضائية التي تنطلق من أراضيها أو تهبط داخل حدودها، عبر سياسة وطنية جديدة يوقّعها الرئيس دونالد ترامب، تهدف إلى توسيع القدرات التشغيلية لدعم أكثر من 1000 عملية إطلاق صاروخي سنويًا بحلول عام 2030. وتضع السياسة، وفق ما ورد في المذكرة، إطارًا واضحًا لأولويات المهام التجارية والمدنية والأمنية الوطنية إلى المدار وما بعده، بما يشمل تحديث قواعد التشغيل وتوسيع مواقع الإطلاق والعودة وإدماج تدفقات الحركة الجوية المرتبطة بالفضاء.
ومن أبرز ملامح هذه السياسة أنها تأتي باعتبارها أول تحديث رئيسي منذ عام 2013، وتنعكس أهميتها في توقيتها؛ إذ رفعت شركات تجارية مثل “سبيس إكس” وتيرة إطلاق الصواريخ الأمريكية بشكل كبير منذ 2015، ما خلق تحديًا متزايدًا في استيعاب حجم الرحلات وإدارة المسارات والممرات الجوية المرتبطة بها، إضافة إلى متطلبات السلامة والامتثال التنظيمي.
## محاور سياسة الفضاء الجديدة
تركّز الوثيقة على توسيع البنية التحتية والإجراءات اللازمة لدعم قطاع فضائي أكثر نشاطًا، وتوجه الوكالات الفيدرالية إلى:
– تحديد وتوسيع نطاق الوصول التجاري إلى مواقع إطلاق وعودة إضافية.
– دمج عمليات رحلات الفضاء وممرات الإطلاق الحيوية ضمن إدارة وتحديث مراقبة الحركة الجوية، بما يضمن كفاءة أعلى وتنسيقًا أفضل بين الجهات المعنية.
– وضع جداول زمنية للبدء بتطبيق الخطوات خلال مدة محددة، مع إلزام الوكالات بالشروع في تقييم ما يمكن تنفيذه من داخل المرافق القائمة أو عبر استحداث مواقع جديدة.
## مواقع الإطلاق والعودة: عقود استثمار وتوسيع قدرة الاستيعاب
وجهت المذكرة كلًا من “ناسا” ووزارة النقل ووزارة الدفاع إلى البدء في تحديد المواقع المحتملة لأنشطة الإطلاق المستقبلية، سواء عبر الاستفادة من المرافق الحالية أو تطويرها لزيادة القدرة الاستيعابية. كما طالبت بإبرام عقود إيجار واستكشاف فرص استثمارية تجارية لتحفيز التطوير المشترك لمواقع إطلاق جديدة.
وتشير السياسة إلى إمكانية تمويل بعض المواقع الجديدة جزئيًا من الجهات الخاصة التي تنوي استخدامها، بما يدعم انتقالًا تدريجيًا من نمط البنية التحتية الحكومية الصرفة إلى نموذج أكثر مرونة يعتمد الشراكات وإشراك القطاع الخاص في توسعة “سلاسل الإطلاق” الخاصة بالولايات المتحدة.
وتمنح السياسة اهتمامًا خاصًا بمواقع هبوط الصواريخ، إذ تلزم الوكالات بتحديد الأراضي الفيدرالية المتاحة لتطويرها كمواقع مستقلة لإعادة دخول مركبات الإطلاق إلى الغلاف الجوي. ويُذكر أن هذا التوجه يجب أن يتحقق خلال فترة قصيرة نسبيًا، ما يعكس رغبة الإدارة في تسريع القدرة التشغيلية بدل انتظار دورات زمنية طويلة.
## تسريع المراجعات البيئية وتقليل التعقيدات التنظيمية
من بين القضايا الحساسة في توسعة البنية الفضائية مسار المراجعات البيئية والتراخيص المرتبطة بالبناء والتشغيل. لذلك، تعزز السياسة إطار عمل لتسريع إجراءات المراجعة البيئية، متكئًا على أمر تنفيذي مرتبط بالفضاء التجاري وقعه ترامب في أغسطس 2025. وجاء هذا الأمر بهدف إزالة بعض العقبات التنظيمية التي قد تؤخر عمليات الإطلاق التجارية وبناء الموانئ الفضائية.
## رهان على إعادة الاستخدام: “ستارشيب” وتوقعات كثافة الإطلاق
تتزامن هذه السياسة مع طموحات شركات الإطلاق القابلة لإعادة الاستخدام بالكامل. إذ يستعد صاروخ “ستارشيب” التابع لـ“سبيس إكس”، الذي ما يزال في طور التطوير، لأن يصبح أول مركبة إطلاق قابلة لإعادة الاستخدام بالكامل في التاريخ، وفق رؤية الشركة.
وبحسب ما أعلن إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لـ“سبيس إكس”، فإن الشركة تستهدف بحلول 2030 إطلاق 30 رحلة أو أكثر من رحلات “ستارشيب” يوميًا. وإذا تحقق ذلك فسيعني الرقم أكثر من 10,000 رحلة سنويًا، وهو مستوى كثافة يفترض جاهزية بنية تحتية وُثقت السياسة لتوفيرها، بما في ذلك مواقع الإطلاق والعودة وإدارة الحركة الجوية المرتبطة بها.
## دعم المهام الحكومية: تعدد خيارات الوصول إلى المدار
لا تقتصر السياسة على الإطلاقات التجارية، بل تتضمن توجيهات لجهات حكومية لتوسيع خيارات الوصول إلى المدار. إذ كُلّفت “ناسا” ووزارة الدفاع الأمريكية بالحفاظ على خيارات إطلاق متعددة وتطوير واجهات تشغيلية قابلة للتكيّف، بما يتيح نقل الحمولات بين صواريخ من مزودين مختلفين.
كما يُوسّع النهج مفهوم “الإطلاق” ليشمل مرحلتي ما بعد الوصول إلى المدار، مثل صيانة المركبات الفضائية والخدمات اللوجستية. وفي هذا السياق، طُلب من وزارة الدفاع تحديدًا دراسة الخيارات التجارية للنقل في الفضاء وأنظمة توصيل مدارية أكثر تنوعًا، بما في ذلك حلول شبيهة بالطائرات الفضائية التي يمكنها ربط المدار بالمهام التشغيلية بشكل أكثر مرونة.
## المريخ: شراكات للوصول الروبوتي ثم تجهيز مسارات البشر
توجّه سياسة ترامب وكالة الفضاء لتطوير شراكات تساعد الروبوتات التجارية على الوصول إلى المريخ. وتضع الرؤية امتدادًا طويل المدى يشمل تطوير بنى تحتية وأنظمة قادرة على نقل رواد الفضاء إلى سطح المريخ والعودة بهم إلى الأرض. ويعكس هذا البند توجهًا نحو بناء منظومة متكاملة تشمل النقل، والخدمات، والقدرة التشغيلية اللازمة لتكرار المهام بدل الاقتصار على بعثات متفرقة.
## لماذا يهم ذلك؟
مع نمو وتيرة الإطلاق التجاري وتوسع الحمولات المدنية والعسكرية، يصبح تحدي “القدرة الاستيعابية” مسألة أمن قومي وتشغيلية في آن واحد. فكل زيادة في عدد الإطلاقات تتطلب استثمارات في مواقع الإقلاع والعودة، وتنسيقًا في الحركة الجوية، ورفع كفاءة الإجراءات التنظيمية، إضافة إلى تطوير مسارات لوجستية داخل المدار. وتبدو السياسة الجديدة محاولة لتوحيد هذه العناصر تحت سقف واحد زمني طموح، وصولًا إلى هدف أكثر من ألف عملية إطلاق سنويًا بحلول 2030.

التعليقات