التخطي إلى المحتوى

يرى الدكتور علي العنزي، الخبير في الشؤون الإقليمية والدولية، أن المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران قد تستمر ضمن إطار يمكن للطرفين التحكم في تداعياته، مع استبعاد الدخول السريع في حرب شاملة. ويُرجع العنزي ذلك إلى سعي كل طرف إلى تحسين موقعه التفاوضي قبل استئناف المفاوضات، عبر رفع مستوى التهديدات والضغط السياسي والاقتصادي دون قطع الطريق تمامًا أمام التسوية.

سياسة رفع سقف التهديدات قبل العودة للمفاوضات

وأوضح العنزي، في حديث عبر قناة «القاهرة الإخبارية»، أن التجارب السابقة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب كشفت عن ميل واضح إلى استخدام أسلوب «رفع سقف التهديدات» عبر التحذيرات والتصريحات الحادة، بما يمنح الجانب الأميركي مساحة تفاوض إضافية. كما شدد على أنه لا يتفق مع التوقعات التي تشير إلى تصعيد واسع خلال المدى القريب، معتبرًا أن حسابات الردع والقدرة على احتواء التطورات ما تزال حاضرة في المشهد.

ضغوط سياسية واقتصادية وشعبية تدفع إلى نتائج تفاوضية

وبحسب العنزي، يواجه ترامب ضغوطًا سياسية واقتصادية وشعبية تدفعه إلى البحث عن نتائج ملموسة عبر المسار التفاوضي، خصوصًا في ظل اقتراب انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة. وفي المقابل، تتمسك إيران –كما يرى الخبير– بتنفيذ مذكرة التفاهم التي سبق توقيعها، وهي التي كانت محورًا للمفاوضات بين الطرفين.

تباينات داخل إيران حول مسار القرار التفاوضي

وأشار العنزي إلى أن الداخل الإيراني ليس كتلة واحدة، بل يشهد اختلافات في الرؤى بين مراكز القوى المؤثرة في صناعة القرار. ويأتي في مقدمة هذه المراكز الحرس الثوري والمؤسسة الدينية والرئيس مسعود بزشكيان، حيث لا يزال التيار المحافظ يتمتع بنفوذ واسع داخل عملية اتخاذ القرار. وتنعكس هذه التباينات على طريقة تعامل إيران مع ملف المفاوضات والخيارات المتاحة، وعلى شكل “الرسائل” الموجهة إلى واشنطن.

مضيق هرمز: ورقة ضغط مركزية في تفاوضات مرحلة ما قبل الاتفاق

واعتبر الخبير أن التيار المحافظ يميل إلى التمسك بمضيق هرمز بوصفه إحدى أهم أوراق الضغط الإيرانية في المرحلة الحالية. فالمضيق يمثل نقطة حساسة تتقاطع فيها مصالح إقليمية ودولية، وتترتب عليها تداعيات مباشرة تتصل بمسارات التجارة والطاقة. وفي هذا السياق، تشدد إيران على ضرورة مراعاة شروطها وحدودها قبل أي انتقال نحو تسوية أوسع.

ومن جانب آخر، أكّد العنزي أن طهران لا تبدو مستعدة لفتح مضيق هرمز قبل العودة إلى مذكرة التفاهم وفق ما نُقل عن تصريحات مسؤولين إيرانيين. ويعني ذلك أن الملف لا يُختزل في مسألة الملاحة فقط، بل يتصل مباشرة بجوهر العلاقة بين البلدين وبترتيبات النفوذ والضمانات المتبادلة.

المكاسب السياسية شرط أميركي لتخفيف حدة المواجهة

وفي مقابل ذلك، يرى العنزي أن الولايات المتحدة لن تكون مستعدة لإنهاء المواجهة دون تحقيق مكاسب ونتائج ملموسة يمكن البناء عليها سياسيًا. لذلك، فإن أي جولة تفاوضية مقبلة ستكون محكومة بحسابات دقيقة ومتعارضة؛ فواشنطن تسعى إلى ضمانات ونتائج واضحة توازي تصعيدها، بينما تسعى طهران إلى ترجمة الضغط إلى مكاسب تفاوضية وعدم تقديم تنازلات قبل استعادة الإطار المتفق عليه.

مرحلة “تحسين المواقع” وتجنب الانزلاق إلى مواجهة أكبر

وبهذا المعنى، تبدو المرحلة الحالية أقرب إلى “معركة لتحسين المواقع التفاوضية”. إذ تحاول واشنطن وطهران استخدام أدوات الضغط المتاحة لديها لتعظيم القدرة على التفاوض قبل استئناف المسار الرسمي. وفي الوقت نفسه، يحاول الطرفان إبقاء باب التسوية مفتوحًا عبر إشارات تصعيدية محسوبة، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة كبرى قد يصعب احتواؤها لاحقًا.

إثراء الملف: مؤشرات قد تؤثر على مسار التفاوض

ومع استمرار التوترات، قد تلعب عدة عناصر دورًا في تشكيل اتجاه التفاوض خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة، مثل طبيعة الرسائل المتبادلة عبر القنوات الدبلوماسية، ومستوى ضبط إيقاع التصريحات الميدانية، ومدى توافق الرؤى داخل إيران بين مراكز القوى المختلفة حول توقيت أي تنازل أو خطوة عملية. كذلك، قد تؤثر الاعتبارات الاقتصادية والسياسية في الولايات المتحدة على سرعة التحول من التصعيد إلى التفاوض، بما ينعكس على تصميم جولات الحوار وشروطها.

الخلاصة أن المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وفق قراءة العنزي، تُدار في الوقت الحالي بمنطق الردع وتنافس تحسين الشروط التفاوضية، مع بقاء احتمال الانفراج قائمًا طالما لم تتجاوز الخطوات المؤشرَ المسموح به للتصعيد، وجرى ربط أي تهدئة باستعادة الإطار التفاوضي ومحاولة تحويل الضغط إلى نتائج واضحة للطرفين.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *