التخطي إلى المحتوى

أكد الدكتور محمد العليمي، عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، أن الإحسان يُعدّ أعلى مراتب الدين، موضحًا أن طريق المسلم يبدأ بالالتزام بأحكام الإسلام، ثم يترسخ في القلب معنى الإيمان، ليصل بعدها إلى مقام الإحسان الذي يرفع جودة العبادة ويُحسن السلوك مع الناس. وأوضح خلال برنامج «صباح الخير يا مصر» أن الإحسان ليس مجرد فكرة عامة، بل منهج حياة شامل يوجّه علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبمجتمعه.

وبيّن “العليمي” أن جوهر الإحسان يتمثل في عبادة الله كأن العبد يراه؛ فإن لم يصل القلب إلى هذه الدرجة من اليقين والمشاهدة القلبية، فإن المعيار الذي يثبت به العمل هو العلم بأن الله تعالى يراه. وقال إن هذا المعنى إذا استقر في الضمير انعكس على كل تفاصيل اليوم: في العبادة من صلاة وصيام وذكر، وفي العمل من أمانة وإتقان وإخلاص، وفي العلاقات اليومية من صدق ورحمة وعدل، وفي التعامل مع الآخرين من كفّ أذى وحسن خلق.

وشدّد على أن الإحسان لا يعني الضعف أو التنازل عن الحقوق، ولا يُفهم منه الاستسلام للظلم؛ بل هو قوة متوازنة تنطلق من ضبط النفس والقدرة على التحكم في الانفعال، خصوصًا عند الغضب وعند القدرة على الردّ على الإساءة. فالمحسن لا ينساق وراء لحظة الانفعال، بل يختار السلوك الأنفع والأعدل، ويقدّم حسن المعاملة حتى مع الاختلاف أو سوء الفهم.

وأشار إلى أن الوصول إلى مقام الإحسان يحتاج إلى مجاهدة مستمرة للنفس، وذلك عبر تعهد القلب والنية، ومحاسبة الذات، وترقية الأخلاق عمليًا لا نظريًا. واستشهد بقول الله تعالى: «والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين»، لافتًا إلى أن الهداية تُمنح لمن يصدق في السعي ويثبت على الطريق.

كما أوضح أن الإحسان يُتَجسّد حين تكون الدوافع خالصة لوجه الله تعالى؛ أي أن يسعى الإنسان لإرضاء ربه لا انتظارًا لجزاء من البشر أو مدح من الناس. فإذا تحقق هذا الإخلاص أصبح الإحسان قادرًا على خلق أثر واضح في الأسرة والعمل والروابط الاجتماعية، حيث تتجلى الرحمة في البيت، ويظهر الأمان في الوظيفة، ويُحفظ الاحترام في التعاملات.

ومن أجل تعزيز هذا المفهوم، يمكن للمسلم تطبيق الإحسان عبر خطوات عملية؛ مثل مراقبة النية قبل العبادة أو العمل، واتقان الواجبات وعدم التساهل فيها، والحديث الطيب والعدل مع المخالف، وحسن معاملة الأهل والجار والزميل، والحرص على العفو عند المقدرة دون التفريط في الحقوق، إضافة إلى الاستمرار في ذكر الله والاستغفار لتطهير القلب من شوائب القسوة أو الحقد. وبذلك يتحول معنى الإحسان إلى سلوك يومي يقرّب العبد من ربه ويُصلح علاقاته بالناس.

وختم الدكتور العليمي بأن الاقتداء بالنبي يبدأ من داخل الإنسان؛ من ضبط النفس وتزكية الضمير، ثم امتداد ذلك إلى الأخلاق والمعاملات، حتى يصبح الإحسان عنوانًا لحياة المسلم: عبادةٌ تُتقنها المراقبة، وأخلاقٌ تُترجمها الرحمة، وعملٌ تُنضجه الأمانة والإتقان.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *