التخطي إلى المحتوى

تحذر الدكتورة أمل شمس، أستاذ علم الاجتماع والتنمية بجامعة عين شمس، من أن التعرض المستمر لمواقع التواصل الاجتماعي قد يفتح الباب أمام المقارنات الاجتماعية التي تؤثر مباشرة على طريقة رؤية الفرد لذاته ومدى رضاه عن حياته. وتوضح أن الإنسان قد يقارن نفسه بالآخرين من زوايا متعددة مثل الشكل، والمكانة الاجتماعية، والمستوى الاقتصادي، وحتى أسلوب الحياة والإنجازات.

وتؤكد الدكتورة شمس أن السوشيال ميديا، رغم أنها تتيح للفرد مشاهدة أشخاص كثيرين من مختلف أنحاء العالم، إلا أن المحتوى المعروض غالبًا لا يعكس الصورة الكاملة للواقع. فالكثير من المنشورات تُقدَّم بشكل انتقائي؛ قد يَظهر الشخص وكأنه سعيد ومرح ومتفوّق، بينما قد يخفي وراء تلك الصورة مشكلات شخصية أو أزمات مالية أو ضغوطًا نفسية. ومع تكرار مشاهدة هذه “النسخ المثالية” من الحياة، يصبح من السهل أن يقتنع المتابع بأن الآخرين يعيشون أفضل منه دائمًا.

وتشير إلى أن المقارنات المستمرة تُضعف مفهوم الرضا عن النفس، لأن الشخص قد يرى الآخرين يملكون ما لا يملك، ويبدأ في تفسير ذلك على أنه دليل على نقصه أو فشله. ومع الوقت قد يتشكل اعتقاد بأن نجاح الآخرين “أسهل” أو “أقرب” وأنه لم يحقق أهدافه مثلما فعل الآخرون، وهو ما قد يؤدي إلى قلق مزمن وتوتر في تقدير الذات.

وترى الدكتورة شمس أن نقطة الانطلاق الصحيحة تبدأ من الإيمان بالنفس والقدرات، مع الاعتراف بأن البشر غير متساوين في كل التفاصيل. فليس كل من يملك المال يمتلك المظهر نفسه، وليس كل من يتمتع بمستوى جمال يملك الموارد أو الفرص، كما أن بعض الأشخاص قد يكون لديهم قبول اجتماعي ومهارات تواصل عالية تعوضهم في مجالات أخرى. وتؤكد أن الاختلاف لا يعني التنافس السلبي، بل يعني أن لكل فرد نقاط قوة يمكن البناء عليها.

وتؤكد أيضًا أن اكتشاف الذات هو خطوة محورية: عندما يعرف الإنسان ما الذي يميزه وما الذي يجيده، تتحول المقارنة من أداة جلد للنفس إلى دافع واقعي للتطوير. فالمهم ليس محاولة الوصول إلى “الصورة” التي يروج لها الآخرون، بل فهم الفروق الداخلية وبناء خطة شخصية تناسب ظروف الفرد وطموحاته.

ومن جانب آخر، تبرز دور الأسرة في تشكيل ثقة الأبناء بأنفسهم. فإذا كان البيت يميل إلى انتقاد الطفل باستمرار أو التقليل من إنجازاته، فمن المرجح أن يعاني من ضعف الثقة ويصبح أكثر قابلية للمقارنات، لأنه يبحث خارج المنزل عن اعتراف أو تبرير لقيمته. أما عندما يشعر الطفل بأنه مهم ومحترم داخل أسرته، وأن هناك دعمًا وتقديرًا لجهوده، فإنه يقل احتياجه إلى المقارنة بنمط قاسٍ مع الآخرين.

وتضيف الدكتورة شمس أن التعامل الواعي مع السوشيال ميديا يمكن أن يحد من أثر المقارنات عبر تقليل التعرض للمحتوى الذي يثير المقارنات المستمرة، وتفضيل المحتوى الذي يلهم الفرد ويعزز مهاراته، بالإضافة إلى ممارسة تقييم واقعي للمنشورات بدلًا من أخذها كمعيار نهائي للحياة. كما تنصح بتطوير عادات ذهنية مثل التركيز على التقدم الشخصي، وتحديد أهداف صغيرة قابلة للقياس، حتى لا تتحول متابعة الآخرين إلى مصدر دائم للإحباط.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *