شهدت مدن وأقاليم فرنسية عدة إقبالًا غير مسبوق على شراء نظارات الكسوف المخصصة، وذلك استعدادًا لكسوف الشمس الجزئي المرتقب اليوم (الأربعاء). فقد دفعت تحذيرات أطلقتها الجمعية الفرنسية لعلوم الفلك المواطنين إلى تجنب النظر المباشر إلى الشمس دون حماية، بعدما أكدت أن استخدام النظارات الشمسية العادية لا يمنح أي حماية فعّالة، وأن متابعة الكسوف تتطلب نظارات مخصصة تستوفي متطلبات معيار السلامة الدولي (ISO 12312-2) وتكون سليمة تمامًا من أي تلف.
وتحوّلت مراكز بيع النظارات والمتاجر المتخصصة إلى نقاط جذب، حيث امتدت الطوابير أمام الصيدليات والعلامات التجارية لساعات طويلة في محطات متعددة. وفي باريس، اصطف عشرات الأشخاص أمام عدة منافذ للحصول على الكميات المتبقية من النظارات المزودة بمرشحات مناسبة للكسوف، وانتظر بعضهم لفترات مطوّلة حتى بعد حلول الدفعة الأخيرة.
ولم يقتصر المشهد على العاصمة؛ إذ شهدت مناطق مختلفة في الشمال والشرق والغرب موجات نفاد متسارعة. ففي مدينة ليل (شمال فرنسا)، بيعت شحنة تضم نحو 700 نظارة خلال أقل من ساعة في أحد متاجر وسط المدينة. كما أفادت مصادر محلية في مدينة تروا (شمال شرق البلاد) بنفاد 1500 نظارة خلال أربع ساعات فقط من وصولها إلى الصيدلية.
وفي بريتاني (شمال غرب فرنسا)، سجلت المتاجر المتخصصة طوابير طويلة في مدينة لوريان، بينما اضطر عدد من المواطنين في بريست إلى إحضار كراسي تخييم والانتظار منذ ساعات الصباح الأولى. وسُجلت حالات مشابهة في مدن فرنسية أخرى من بينها ديجون وأميان، إلى جانب أقاليم كوت دامور وفيين.
وبجانب العامل التجاري، يعكس الإقبال اهتمامًا شعبيًا بالتحذيرات العلمية وبالفرصة الفلكية النادرة. وتناقلت شهادات مواطنين مدى حرصهم على الحصول على النظارات. من بين هؤلاء «ماري» التي انتظرت قرابة ساعة أمام متجر نظارات بصحبة أطفالها الثلاثة، موضحة أنها اشترت 5 نظارات، بينها نظارة مخصصة لجدتها الكبرى البالغة 86 عامًا، في محاولة لتشارك الأسرة اللحظة التاريخية معًا. وأضافت أن بحثها استمر طوال اليوم بعد أن قرأت في الأخبار أن النظارات ستكون متوفرة في ذلك الموقع.
ومع تفاقم النقص، لجأ بعض الصيدليين والتجار إلى الاستعانة بشحنات عاجلة من الخارج، بما في ذلك من الصين. غير أن تكاليف النقل المرتفعة، إضافة إلى ما وصفته مصادر محلية باستغلال الطلب الاستثنائي من قبل بعض الموزعين، أسهمت في ارتفاع أسعار النظارات لدى بعض نقاط البيع.
وتأتي هذه الموجة ضمن سياق دعوات توعوية واضحة. فقد شددت الجمعية الفرنسية لعلوم الفلك على أن النظارات الشمسية العادية، وحتى بعض النظارات التي تُباع على أنها «مناسبة للكسوف»، قد تكون غير كافية لحماية العينين، مؤكدة ضرورة مطابقة النظارات لمعيار ISO 12312-2 وأن تكون خالية من الخدوش أو التلف. كما ذكّر المختصون بأن النظر إلى الشمس عبر أدوات غير معتمدة—مثل أجهزة شمسية منزلية أو فلاتر غير مختبرة—قد يؤدي إلى أضرار خطيرة في شبكية العين قد تكون دائمة، وغالبًا دون الشعور بألم فوري.
توقيعات التوقيت الفلكي: يُتوقع أن يبدأ الكسوف الجزئي قرابة الساعة 19:20، وأن يصل إلى ذروته حوالي 20:20، متزامنًا مع اقتراب الشمس من الأفق في العديد من المناطق. وتختلف نسبة الحجب الجغرافي؛ إذ من المتوقع أن تبلغ نحو 92.2% في باريس، في حين قد تتجاوز 97% في بعض المناطق الجنوبية والغربية. ويمتد مسار الكسوف الكلي عبر آيسلندا والمحيط الأطلسي وصولًا إلى شمال إسبانيا والبرتغال.
ويرى فلكيون أن المشهد الاستثنائي الذي يصنعه هذا الكسوف يعود لظاهرة دقيقة على مستوى «الاقتران البصري» بين حجم القمر الظاهري وحجم الشمس الظاهري، رغم الفارق الحقيقي في الحجم والمسافة، ما يتيح فرصة نادرة لمشاهدة السماء. وتشير التقديرات إلى أن فرنسا لن تشهد كسوفًا مشابهًا قبل عام 2081، وهو ما يفسر الحماس الكبير الذي ترافق مع التخوف من نقص النظارات والحاجة إلى الحماية الموثوقة.
وبين حرص الأسر على شراء النظارات المناسبة وملاحقة الكميات المتبقية في اللحظات الأخيرة، يظهر أن الأزمة التجارية جاءت في جوهرها نتيجة تحذير علمي مباشر: حماية العين أولًا، مع الالتزام بالمواصفات الصحيحة بدل الاعتماد على البدائل غير المضمونة.

التعليقات