لم يعد كافياً إخفاء الشخص أو السيارة عن عدسة الكاميرا كي تُحبط المراقبة الآلية؛ فقد طوّر باحث أمني نقوشاً مولّدة بالحاسوب تُسجّل الصورة ظاهرياً، لكنها تربك الخوارزميات التي تعتمد على التعرّف إلى الوجوه والأشخاص والمركبات وحتى لوحات الأرقام. والنتيجة ليست إلغاء التسجيل، بل كسر سلسلة “الرؤية—التصنيف—التنبيه” التي تقوم بها أنظمة المراقبة الحديثة.
بحسب تقرير نشره موقع TechCrunch، أجرى الباحث بيل سويرينجن قرابة 31 مليون اختبار خلال عام كامل ضمن مشروع يُعرف باسم noRecognition. وخلال هذه العملية استخدم نموذج تعلّم معزز يقوم بتوليد تصميمات نقوش جديدة، ثم تعديلها تدريجياً كلما تمكنت خوارزميات المراقبة من اكتشافها. يتيح هذا الأسلوب للنقوش أن تتحسن مع الاختبارات المتكررة، بدل الاعتماد على نمط ثابت يفشل أمام التطويرات أو اختلاف ظروف الإضاءة.
### الكاميرا ترى… لكن لا تُطلق التنبيه
الجانب الأهم في الفكرة أن النقوش لا تمنع الكاميرا من تسجيل الفيديو. إذ تُلتقط الصورة كما هي من الناحية التقنية، لكن قدرة البرنامج على تصنيف ما يظهر في المشهد تُعطَّل. في التطبيق العملي، قد يفشل النظام في التعرف إلى “وجود شخص” أو “وجود سيارة” أو “قراءة لوحة المركبة”، وهو ما ينعكس على عدم إرسال تنبيه آلي بوجود عنصر مستهدف. بمعنى آخر، يتأثر “التحليل” داخل البرمجيات أكثر من “التقاط” المشهد في الكاميرا نفسها.
### 11 خوارزمية… واعتبارها خطوة باتجاه المجهول
نجحت التجارب في خداع 11 خوارزمية مفتوحة المصدر مرتبطة بأنظمة مراقبة مختلفة، بما في ذلك برامج مرتبطة بقارئات لوحات مثل Flock، وكاميرات محمولة من نوع Axon، إضافةً إلى أنظمة تعتمد على تقنيات شائعة في قواعد مثل تلك المستخدمة في Clearview AI. هذا التنوع في مصادر الاختبار مهم لأنه يشير إلى أن المشكلة ليست مرتبطة بتطبيق واحد أو كاميرا واحدة، بل بطبيعة نماذج التعرّف نفسها حين تُواجه “إشارات بصرية” مصممة لتشتيت طريقة استنتاجها.
### من المختبر إلى الشارع: اختبار سيارة في Def Con
ولكي لا تبقى الفكرة نظرية، عرض الباحث التجربة أمام الجمهور في مؤتمر Def Con للأمن السيبراني. غطّى سيارة بأحد التصميمات المولّدة ثم اختبرها أمام كاميرا Flock. وقدرته على تجاوز الاكتشاف دلّ على أن النقوش المصممة داخل بيئة حسابية يمكن أن تعمل أيضاً في ظروف واقعية. ومع ذلك، برزت العجلات كتحدٍ إضافي: فجزء من تفاصيل شكل العجلات وحركتها وطريقة انعكاس الضوء قد يؤثر في درجة تعطيل النظام، ما يعني أن “السلامة” هنا ليست مطلقة وأن الأداء يتفاوت حسب زاوية التصوير والسرعة والإضاءة.
### كيف يُولَّد التصميم؟ ولماذا لا يبقى “مكشوفاً”؟
يُواصل النموذج إنتاج نقوش جديدة كل دقيقة تقريباً، مع محاولة إبقاء أفضل التصميمات “غير متاحة على الإنترنت” حتى لا تتمكن شركات الكاميرات أو مطوري أنظمة التعرّف من تعلم نمطها بسرعة. هذه النقطة تعكس اتجاهاً عاماً في مجال الدفاع الإلكتروني: حين ينجح أسلوب تشويش ضد نظام ما، يصبح من الضروري تجنب تثبيته كقالب يمكن لفريق الخصم نسخه وتحييد تأثيره.
ومن الناحية العملية، يسعى مشروع noRecognition إلى توسيع قابلية الاستخدام عبر طرح منتجات يمكن ارتداؤها أو تركيبها، مثل قمصان وسترات، وربما أغطية مخصصة للسيارات. وبدلاً من البحث عن “حل واحد”، يبدو أن المشروع يركز على تمكين المستخدمين من حمل النقوش في الحياة اليومية داخل الأماكن العامة.
### سباق مستمر بين المراقبة والخصوصية
تفتح هذه التجارب نقاشاً واسعاً حول مستقبل الخصوصية في الأماكن العامة. فحين تصبح المراقبة آلية وتعتمد على نماذج تصنيف قوية، يصبح من الممكن—نظرياً وعملياً—تطوير “مضادات” تستهدف منطق التعرف ذاته. وفي المقابل، تعمل فرق التطوير غالباً على تحسين نماذجها لتصبح أكثر مقاومة لتشتيت الإدراك البصري، بما في ذلك تعزيز المرونة أمام اضطرابات النمط وتغيّر الإضاءة والزاوية.
وبينما تُثبت noRecognition أن التشويش البصري يمكن أن يُضعف التنبيه والتعرّف، يبقى السؤال مفتوحاً: إلى أي مدى يمكن للنقوش أن تحافظ على فعاليتها أمام تحديثات مستمرة في خوارزميات المراقبة، وإلى أي درجة يمكن للمنتجات أن تُستخدم بشكل آمن وقانوني في الواقع؟

التعليقات