التخطي إلى المحتوى

أكدت الدكتورة إلهام شاهين، الأستاذة بجامعة الأزهر، والأمين المساعد لمجمع البحوث الإسلامية، أن مبادرة «إيده في إيدك» تسعى إلى إعادة دور الأب داخل الأسرة باعتباره القدوة الأولى والمسؤول عن بناء علاقة آمنة مع الطفل. وأوضحت أن الهدف ليس مجرد تقليل استخدام الهاتف، بل تمكين الطفل من الشعور بالأمان النفسي داخل البيت، وأن يجد نموذجًا يقلده ويكتسب منه القيم والسلوكيات اليومية من خلال تواجد الأب.

وأشارت شاهين إلى أن فكرة المبادرة ترتكز على تشجيع الطفل على ترك الهاتف المحمول لفترة محددة، مقابل أن يمسك بيد والده خلال وقت مشترك داخل البيت أو خارجه. وبهذا يتحول تأثير الهاتف من كونه المصدر الأساسي لسلوك الطفل، إلى أن تصبح الأسرة هي المنبع الحقيقي للعلم والأخلاقيات والمعايير التي توجه تصرفاته.

وشددت الدكتورة على أن الطفل يحتاج إلى القدوة الأولى من البيت، وأن الأب والأم ومن حوله يمثلون النموذج الذي يتأثر به ويتعامل معه بشكل يومي. كما أكدت أن غياب الأب أو انشغاله المستمر قد يضعف العلاقة ويزيد احتمالات سوء استخدام التكنولوجيا، بينما حضور الأب يمنح الطفل إطارًا واضحًا للتواصل والتعلم بالممارسة.

وتتضمن المبادرة تشجيع الأب على اصطحاب ابنه معه إلى أماكن مفيدة مثل المسجد، وزيارة الأقارب، والذهاب إلى النادي والأنشطة الرياضية والثقافية، إلى جانب إشراكه في الأعمال الخيرية والتطوعية. وذكرت أن المبدأ هو التعلم عبر المعايشة: أن يرى الطفل والده وهو يقوم بالأعمال الصالحة، ويشارك في المواقف الإيجابية بدلًا من الاكتفاء بالمشاهدة من شاشات الأجهزة.

كما أوضحت أن المبادرة تدعو إلى أن يعود الأب لدوره الحقيقي في التربية كما كانت الأجيال السابقة تفعل، من خلال مشاركة الأبناء تفاصيل الحياة اليومية وتخصيص وقت حقيقي لهم بدل تركهم أمام الهواتف والتكنولوجيا لفترات طويلة.

ومن جانب التنفيذ، أكدت شاهين أن المبادرة بدأت بالفعل عبر توجيه الوعاظ والواعظات في مناطق مختلفة للتعريف بها وتوعية الآباء والأمهات بمسؤوليتهم في تقديم نماذج صالحة. وأضافت أن وحدة الدعوة الإلكترونية شاركت في تنفيذ المبادرة عبر مجموعة من الوسائل، تشمل المقاطع القصيرة ومواد التوعية والصور والمواد المقدمة من الوعاظ والواعظات، بما يساعد على وصول الفكرة بصورة مبسطة إلى أكبر عدد ممكن من الأسر.

ولتعزيز المشاركة المجتمعية، أشارت إلى أن الخطة تتضمن كذلك تنظيم مسابقات للآباء والأمهات، وأخرى للأطفال، على أن تُنفذ تباعًا. كما لفتت إلى وجود مبادرة «تحدث معنا» التي يمكن من خلالها أن يتواصل الآباء والأمهات مع الجهات المختصة في حال وجود تحديات أو مشكلات تواجههم أثناء تطبيق المبادرة، سواء في التواصل مع الأبناء أو في معالجة سلوكيات مرتبطة باستخدام التكنولوجيا.

وتابعت أن هناك وحدات لـ«لم الشمل» على مستوى الجمهورية وفي مختلف المحافظات، يمكنها التدخل بشكل مباشر لحل المشكلات الأسرية، سواء من خلال استدعاء الأسرة أو التواصل معها، وقد يصل الأمر إلى زيارة الأسرة في مكانها إذا تطلبت الحالة ذلك. وأكدت أن هذه الخدمات يقدمها الأزهر مجانًا، بالتعاون مع الجهات المعنية.

وفي السياق ذاته، أشارت إلى حملات «طرق الأبواب» التي يتم تنفيذها بالتعاون مع جهات مختصة، منها المجلس القومي للمرأة والمبادرات الرئاسية، بهدف الوصول للأسر وتقديم التوعية بطريقة أقرب لواقعهم ومعالجة الصعوبات التي تعوق تطبيق المبادرة.

وربطت الدكتورة بين انشغال الآباء بالهاتف ومواقع التواصل الاجتماعي وبين زيادة احتمالات سوء استخدام الأطفال للتكنولوجيا، موضحة أن الأب حين يقضي وقته ممسكًا بالهاتف يقدم نموذجًا عمليًا لأبنائه. وبهذا يصبح من الصعب أن يطلب منهم الابتعاد عن الهاتف بينما هو نفسه منشغل به طوال الوقت. وذكرت أن الأمر يشبه أن يقوم الأب بسلوك ضار ثم يطالب ابنه بتركه؛ لذلك ينبغي أن يبدأ الأب بنفسه أولًا، ثم يطلب من أبنائه الالتزام بالسلوك الذي يرغبه.

كما شددت على أن مطالبة الطفل بترك الهاتف لا تكفي وحدها، بل يجب تقديم بديل مناسب. فحين يترك الطفل الهاتف يحتاج إلى أن يعرف ما الذي سيقوم به خلال أوقات الإجازات أو الفراغ، ولذلك من المهم أن توفر الأسرة أنشطة بديلة تتناسب مع قدرات كل طفل واهتماماته.

وختمت بأن التربية الصحيحة لا تقوم على المنع فقط، بل على توفير بدائل عملية تساعد الطفل على استثمار وقته بشكل إيجابي، وتعيد بناء العلاقة بينه وبين أسرته بعيدًا عن الاستخدام المفرط للتكنولوجيا.

وبناءً على ذلك، تُفهم «إيده في إيدك» كدعوة لإعادة التوازن داخل البيت: وقت حقيقي مع الأب، نشاط يملأ الفراغ، قدوة تُرى يوميًا، ومساحة أمان نفسية تجعل الطفل يتجه نحو قيم الأسرة بدلًا من أن تسيطر عليه الشاشة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *