في سوق يتسابق فيه مقدمو خدمات المحمول لجذب العملاء عبر العروض والإغراءات، يبقى السؤال الأكثر أهمية: ماذا يحصل العميل مقابل ما يدفعه؟ فالعميل لا يشتري “دقائق” أو “جيجابايت” فقط، بل يشتري خدمة كاملة ينبغي أن تكون مستقرة، وشبكة تعمل بكفاءة، وقناة مساعدة حقيقية تُنصفه عند حدوث مشكلة. وحين يصبح حل الشكاوى متطلبًا للتصعيد أو البحث عن جهة تنظيمية، تصبح التجربة أقل من الحد الأدنى من “الحق” المفترض للمستخدم.
وتزداد أهمية هذا السؤال في ظل حجم القطاع والنتائج المالية التي تحققها شركات الاتصالات. فوفق بيانات الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، شهد النصف الثاني من عام 2025 تلقي الجهاز 139405 شكوى من مستخدمي خدمات الاتصالات، كان منها 64099 شكوى مرتبطة بخدمات الهاتف المحمول، أي ما يعادل 46% من إجمالي الشكاوى. كما بلغت نسبة استجابة المشغلين للشكاوى بعد تصعيدها إلى الجهاز 97%، بمتوسط زمن استجابة بلغ 0.86 يوم. ورغم أن ارتفاع الاستجابة بعد التصعيد يُعد مؤشرًا إيجابيًا من زاوية الالتزام بالنظر في الشكاوى، إلا أنه لا يجيب عن السؤال الأهم: لماذا احتاج العميل أصلًا إلى تصعيد شكواه؟ وما إذا كان المسار الداخلي لحل المشكلة كان كافيًا من البداية أم أنه فشل في تقديم حل سريع ومرضٍ.
ومن المهم كذلك فهم أن “جودة الخدمة” ليست سرعة إنترنت فقط أو نجاح المكالمة؛ بل تشمل تجربة العميل من لحظة استخدامه للخدمة حتى اكتمال حل المشكلة. وتشمل القياسات عادة عدة عناصر مثل: وقت الانتظار للحصول على الخدمة أو الرد، جودة الصوت والإنترنت، سهولة الوصول إلى خدمة العملاء، وضوح الباقات والعروض، دقة المحاسبة، وتنفيذ التسويات عند وجود خطأ أو مشكلة. وحتى داخل فروع الشركات، يمكن أن تتأثر التجربة بعوامل مثل تنظيم خدمة الحضور، وتوفر قنوات الدعم، وسرعة إنهاء الإجراءات.
وبحسب أحدث نتائج لاستطلاع رأي مستخدمي خدمات المحمول، تراوحت مؤشرات خدمة العملاء بين 68% و80% بين الشركات الأربع، بينما تراوحت مؤشرات حل الشكاوى بين 63% و75%. وهذه الفجوة—بين تقييم العميل لقناة الدعم وبين تقييمه لحل المشكلة فعليًا—تدل على وجود مساحة للتحسين، حتى لدى الشركات التي تحصل على نسب أعلى. فالعميل لا ينبغي أن يضطر لمعرفة أرقام الجهات التنظيمية أو انتظار التصعيد كي يفهم لماذا حدثت المشكلة أو كيف ستُصلحها الشركة.
كما أن تجربة العميل يجب ألا تتغير بحسب “قيمة العميل” أو حجم إنفاقه. من الطبيعي أن تقدم بعض الشركات مزايا إضافية للعملاء الأعلى إنفاقًا، لكن ذلك لا يبرر أن يصبح العميل العادي أقل أولوية أو أن تُخفض جودة الخدمة المقدمة له دون مبرر. الحد الأدنى من جودة الشبكة وسرعة الاستجابة وفعالية التواصل لحل الشكاوى ينبغي أن تكون حقًا متاحًا لجميع العملاء وفق الشروط المعلنة، لأن المستخدم يدفع مقابل خدمة كاملة لا “جزءًا” منها.
ويؤثر ذلك مباشرة على الولاء والثقة. فحين يشعر العميل أن مشكلته لا تُعامل بجدية إلا إذا كانت ضمن شريحة محددة، تتراجع رغبته في التجديد وتزداد احتمالات التحول لمنافسين. وفي المقابل، فإن بناء علاقة طويلة الأجل يعتمد على أن يشعر العميل بأن مشكلته مهمة منذ اللحظة الأولى: تسجيلها بشكل واضح، متابعتها بجدية، توضيح السبب، تقديم حل ملموس أو تعويض عادل عند الحاجة، وإغلاق الشكوى بطريقة شفافة.
وتأخذ المسؤولية المجتمعية لشركات المحمول معنى أعمق من مجرد تمويل أنشطة أو إطلاق مبادرات خارجية. فالمسؤولية تجاه المجتمع تبدأ أيضًا من صميم الخدمة الأساسية: هل تُقدم الشركة جودة الشبكة وفق المستوى المتفق عليه؟ هل تحترم وقت العميل وبياناته وحقوقه؟ وهل توفر قناة دعم فعالة وسريعة بدلًا من ترك المستخدم في متاهة إجراءات؟ وفي بلد يعتمد فيه المواطن على الاتصال في العمل والتعليم والتحويلات البنكية والخدمات الحكومية، تصبح جودة الاتصالات جزءًا من جودة الحياة اليومية. لذلك يمكن النظر إلى الاستثمار في تحسين الشبكات وخدمة العملاء وتقليل زمن حل الشكاوى باعتباره استثمارًا في الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، وليس مجرد تكلفة تشغيلية.
ومن اللافت أن الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات يتحرك في هذا الاتجاه عبر قياسات ميدانية شهرية لجودة شبكات المحمول تشمل خدمات الصوت والإنترنت، مع نشر النتائج بصورة دورية. كما أُقرّت آليات لجزاءات مرتبطة بمعايير الجودة، بحيث تؤدي قيمة مضاعفة للجزاءات المالية عند مخالفة المعايير إلى توجيه استثمارات شركات المحمول نحو تحسين التغطية والجودة وفق ما يحدده الجهاز.
وبناءً على ذلك، تصبح المنافسة الحقيقية في سوق المحمول أقل ارتباطًا بالعروض التسويقية وحدها وأكثر ارتباطًا بتقديم تجربة متكاملة للعميل: شبكة مستقرة، سرعة مناسبة، خدمة عملاء قادرة على حل المشكلة، ووقوف الشكوى على طريق واضح يؤدي إلى نتيجة دون معاناة. فوجود مليارات الأرباح لا يكتمل معناه ما لم يشعر العميل—وهو الطرف الذي يدعم هذا النمو—أنه يحصل على الخدمة التي يستحقها فعلًا.
في النهاية، معيار النجاح ليس فقط حجم الإيرادات، بل مستوى الثقة الذي يبنيه مقدمو الخدمة: ثقة بأن الرسالة ستصل، والبث سيعمل، والإنترنت لن يتعطل عند الحاجة، وأن المشكلة—أي مشكلة—لن تتحول إلى رحلة طويلة بحثًا عن حل. وهذا هو جوهر “حق العميل” في سوق المحمول: جودة قابلة للقياس، ودعم قابل للوصول، وشفافية تنهي الشكوى بدلًا من تأجيلها.

التعليقات