التخطي إلى المحتوى

يؤكد الكاتب الصحفي زكي القاضي أن مضيق هرمز يشكّل عنصرًا محوريًا ضمن استراتيجية الردع التي تنتهجها إيران في مواجهة الضغوط الدولية، باعتباره ممرًا مائيًا حيويًا تمر عبره نسبة كبيرة من شحنات الطاقة والتجارة العالمية. ووفق هذا التصور، لا تنظر طهران إلى المضيق كمساحة جغرافية فحسب، بل كأداة ضغط وتأثير يصعب التخلي عنها في إدارة أزمات الإقليم والتعامل مع مواقف الخصوم.

ويرى القاضي، في حديثه ببرنامج «الصحافة» عبر قناة «إكسترا نيوز»، أن التغيرات السياسية الأخيرة داخل إيران تعكس رغبة في الاستمرار بالنهج ذاته. ومن أبرز هذه المؤشرات تعيين القائد السابق للحرس الثوري محسن رضائي في مجلس الأمن القومي، وهو ما يقرأه المتابعون بوصفه تعزيزًا للتركيز على الملفات ذات الحساسية الأمنية، وفي مقدمتها ملف الملاحة في مضيق هرمز، الذي يرتبط مباشرة بميزان الردع والتوازنات الإقليمية.

تنسيق الملاحة مع عُمان وفق معايير إيرانية

يشير القاضي إلى أن طهران تسعى إلى إدارة مسارات الملاحة في المضيق بالتنسيق مع سلطنة عُمان، وذلك وفق معايير جديدة تراعي المصالح الإيرانية. ويأتي هذا المسار في ظل استمرار الضغوط الدولية والتوترات الإقليمية، حيث تبحث إيران عن ترتيبات عملية تضمن لها هامشًا للتحكم النسبي في حركة السفن دون أن تنخرط بالضرورة في تصعيد شامل ينعكس سلبًا على الاقتصاد أو يرفع كلفة المخاطر.

وتتصل هذه المقاربة بمنطق «إدارة الصراع»؛ أي الانتقال من المواجهة المباشرة إلى استخدام أدوات ضغط محسوبة، من خلال التأثير على حسابات الخصوم المرتبطة بتكلفة تعطيل الملاحة، وهو ما يجعل المضيق عاملًا مؤثرًا في مسارات التفاوض والسياسات الخارجية.

طهران اعتادت التعامل مع العقوبات

وعن الوضع الاقتصادي، يؤكد زكي القاضي أن العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران لم تعد، في نظر طهران، الأداة الأكثر فاعلية للضغط. ويفسر ذلك بأن إيران تعايشت مع العقوبات لفترات طويلة، ما أتاح لها تطوير آليات للتكيف، وإعادة توجيه بعض مسارات التجارة والتمويل، وبناء قدرات محلية جزئيًا لتقليل أثر الصدمات الخارجية.

ويرجّح القاضي أن الفترة المقبلة قد تشهد جولات جديدة من التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران للوصول إلى صيغة تفاهم مشتركة حول عدد من الملفات، من بينها التعويضات وحجم الأموال الإيرانية المجمدة. ويُنظر إلى هذه الملفات باعتبارها محاور حساسة لأنها ترتبط بجانب السيولة والقدرة على تنفيذ التزامات مالية، إضافة إلى ما يترتب عليها من أثر سياسي مباشر.

ويُضاف إلى ذلك أن أي مسار تفاوضي في هذا السياق غالبًا ما يتداخل مع ملفات أخرى أوسع، مثل ترتيبات الضمانات، وحدود التصعيد، ومساحات العمل الدبلوماسي، وهو ما يجعل مضيق هرمز حاضرًا ضمن الحسابات حتى إن لم يكن الملف الوحيد المطروح.

جنوب لبنان: إسرائيل تطرح شروطًا تعجيزية وتغذي التعقيد

وفي سياق إقليمي آخر، يتناول القاضي تطورات جنوب لبنان ومسار المفاوضات الجارية، مؤكدًا أن إسرائيل تواصل طرح مطالب وصفها بـ«المطالب التعجيزية» خلال محادثات روما. ويعتقد القاضي أن هذه المطالب تؤدي إلى عرقلة جهود التهدئة وإعاقة الوصول إلى حلول سياسية قابلة للتطبيق.

بحسب القاضي، تتضمن المطالب الإسرائيلية نزع سلاح حزب الله في الجنوب، إلى جانب فكرة إرساء مناطق تجريبية تحت السيطرة الإسرائيلية. ويرى أن هذه الشروط تزيد من تعقيد المشهد اللبناني وتضغط على البيئة السياسية والأمنية بدلًا من معالجة الأسباب الجذرية للأزمة.

كما يلفت القاضي إلى أن الاستراتيجية الإسرائيلية الحالية تقوم على ممارسة ضغوط مزدوجة على الحكومة اللبنانية وسكان الجنوب، بهدف دفع لبنان نحو مواجهة داخلية تخدم المصالح الإسرائيلية. وفي هذا الإطار، يؤكد أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية يظل العقبة الأساسية أمام حل سياسي حقيقي ومستدام.

ويخلص القاضي إلى أن أي تسوية في الجنوب تحتاج إلى معالجة جذور الأزمة، مع ضمان احترام السيادة اللبنانية وتوفير ترتيبات تمنح الاستقرار فرصة حقيقية، بدلًا من حلول مؤقتة تترك الملف الأمني عرضة لإعادة التوتر في أي لحظة.

وبين ملف مضيق هرمز بوصفه ورقة ضغط استراتيجية، وملف الجنوب اللبناني وما يرتبط به من شروط سياسية وأمنية، يتضح أن المنطقة تدخل في مرحلة تتشابك فيها أدوات الردع والتفاوض، وأن أي تحرك دبلوماسي أو عسكري سيظل رهينًا بتوازنات المصالح والقدرة على ضبط التصعيد.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *