التخطي إلى المحتوى

تتجه اليابان إلى توظيف أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة ضمن إطار سياستها للدفاع السيبراني الاستباقي، في محاولة للتعامل مع تصاعد مخاطر الهجمات الإلكترونية التي قد تنفذها نماذج توليدية وقدراتها على اكتشاف الثغرات الأمنية واستغلالها بشكل سريع. وتأتي هذه الخطوة في وقت تبرز فيه مخاوف متزايدة من استخدام أدوات ذكاء اصطناعي متقدمة من أطراف قد تستغلها في الهجوم بدلًا من الدفاع.

وفي هذا السياق، أكد يويتشي إيدا، المدير الوطني للأمن السيبراني في اليابان، أن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي المتطورة أصبح ضرورة حتمية، مشيرًا إلى أن نماذج قادرة على التعرف على نقاط الضعف بدرجة عالية قد تغيّر قواعد المواجهة بين فرق الدفاع والهجوم. ووفقًا لتقديره، قد تتقلص الفجوة الزمنية بين اكتشاف الثغرة الأمنية واستغلالها في هجوم إلكتروني إلى جزء بسيط من الوقت الذي كانت تستغرقه تلك المراحل سابقًا، بما قد يضغط على آليات الاستجابة والتحقق وإغلاق الثغرات قبل وقوع الأثر.

وتسعى اليابان للاستفادة من قدرات الكشف والتحليل التي توفرها نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة، ومن بينها نموذج “كلود ميثوس” التابع لشركة “أنثروبيك” الأمريكية الناشئة، والذي يُنظر إليه على أنه يتمتع بقدرات متقدمة في اكتشاف الثغرات الأمنية. ووفقًا للمعطيات المتداولة، فقد قُصر الوصول إلى هذا النموذج عند طرحه في أبريل في البداية على شركات تقنية مثل “جوجل” وبعض المؤسسات المالية، وذلك بسبب مخاوف من إمكانية إساءة استخدامه في تنفيذ هجمات إلكترونية أو تسريع إعداد الهجمات.

وتأتي تصريحات إيدا ضمن تحولات أوسع على مستوى السياسة العامة اليابانية. إذ قررت حكومة رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي في مارس تمكين الحكومة، اعتبارًا من الأول من أكتوبر، من اتخاذ إجراءات ضمن ما يُعرف بـ”الدفاع السيبراني النشط”، بهدف القضاء مسبقًا على احتمالات وقوع هجمات خطيرة قد تعطل البنية التحتية الحيوية أو تؤثر في النشاط الاقتصادي أو تمس حياة المواطنين اليومية بشكل مباشر. ويعكس ذلك توجهًا من الدفاع السلبي إلى نهج أكثر ديناميكية يقوم على تقليل فرص نجاح الهجمات قبل أن تتحول إلى حوادث فعلية.

كما أوضح إيدا أن من المهم دراسة كيفية رفع مستوى الأتمتة في عمليات الدفاع السيبراني، مع ضمان استمرار دور العنصر البشري في اتخاذ القرار النهائي. ويعني ذلك أن اليابان لا تريد أن تكون قرارات السياسات الأمنية أو إجراءات التصدي الآلي نتاجًا لنظام واحد دون مراجعة بشرية، لأن المخاطر التشغيلية والأخطاء قد تكون مكلفة في بيئات أنظمة حرجة.

وفي خطوة ذات دلالة تتعلق بإدارة المخاطر، شدد إيدا على ضرورة ألا تعتمد اليابان على نموذج واحد بعينه من نماذج الذكاء الاصطناعي. ويأتي هذا التوجه ضمن منطق تقليل الاعتمادية على مزود واحد أو تقنية واحدة، والتعامل مع اختلاف نقاط القوة والضعف بين النماذج. وقد أشارت التصريحات إلى أن توجيهًا صادرًا عن الحكومة الأمريكية في يونيو يهدف إلى إيقاف الوصول إلى نماذج ضمن فئة “ميثوس” بموجب ضوابط التصدير الأمريكية. وأوضح إيدا أن تعليق الوصول أثر على عمليات فحص الثغرات الأمنية في بعض الأنظمة الحكومية اليابانية الرئيسية.

ولتعزيز هذا الاتجاه، من المتوقع أن يركز تطبيق الدفاع السيبراني النشط على بناء منظومات مراقبة وتحليل أكثر تكاملاً، تشمل التنبؤ بالهجمات عبر تحليل أنماط السلوك، وتسريع عملية تحديد الأولويات داخل فرق الأمن، وتحسين دورة حياة معالجة الثغرات من الكشف حتى الإغلاق، بما يتوافق مع واقع أن زمن الاستغلال قد يصبح أقصر بكثير من السابق. كما يمكن أن يتضمن النهج الياباني توسيع اختبارات الأمان المستمرة، وربط أدوات فحص الثغرات مع أنظمة إدارة التصحيح، وتدريب فرق الاستجابة على سيناريوهات هجومية متسارعة مدعومة بالذكاء الاصطناعي.

في المحصلة، تعكس هذه الخطوة رغبة اليابان في نقل الدفاع السيبراني إلى مستوى أكثر استباقية وذكاءً، عبر استخدام تقنيات تحليل الثغرات وفهم التهديدات بشكل أسرع، مع الحفاظ على إشراف بشري وتعدد مصادر الأدوات لتقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على نموذج واحد أو قيود التوريد الخارجية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *