أثارت خدمة جديدة في سان فرانسيسكو جدلًا واسعًا بعد ظهورها عبر لوحة إعلانية ضخمة تَعِد بأنها «واجهة الدردشة الآلية الرائدة المدعومة بالذكاء الاصطناعي». لكن المفاجأة في التفاصيل الدقيقة: المقصود بـ AI ليس نظام ذكاء اصطناعي تقليديًا، بل «الشخص العادي» الذي يقدم الردود يدويًا.
بحسب موقع Futurism، يتضح من المعلومات المخفية تحت جزء من الإعلان الذي تغطيه شجرة، أن المستخدم لا يتحدث فعلًا إلى نموذج ذكاء اصطناعي، بل إلى رجل واحد يدعى تاكر براينت (Tucker Brant)، وهو فنان وموظف سابق في جوجل. في مقطع فيديو شاركه عبر منصات التواصل الاجتماعي، قال براينت إنه «أنشأ أسوأ نموذج لغوي ضخم على الإطلاق»، وأن هذا «النموذج» قد يكون على وشك «إحداث ثورة في كل شيء»، مع مزحة واضحة: المستخدم يحصل على تجربة شبيهة بـ ChatGPT لكن الطرف الآخر ليس نظامًا ذكيًا—بل شخص يقدم نصائح سيئة يدويًا.
## تجربة لغوية بمشغل واحد بدل نموذج ضخم
تصف صفحة «نبذة عنا» الخاصة بـ ChatTJB الخدمة بأنها «ذكاء حرفي، مصنوع يدويًا بواسطة شخص واحد»، بدلًا من الحديث عن نموذج لغوي كبير (LLM). وتستخدم الصفحة وصفًا أكثر شاعرية ومباشرة لما يحدث داخل المنصة: «تجربة لغوية كبيرة لمشغل واحد» (LLE).
كما يوضح الموقع أن كل استفسار لا يمر عبر آلية احتمالات رياضية كما تفعل نماذج اللغات عادةً؛ بل يتم التعامل مع الرسائل عبر ما يسميه الموقع «بنية استدلال بيولوجية خاصة». ترجمة ذلك عمليًا بسيطة: يرسل المستخدم سؤالًا، ثم يقوم تاكر براينت بقراءته والتفكير فيه، وبعدها يجيب عندما يكون مستيقظًا ومتحمسًا. بمعنى آخر، التأخير، وتذبذب الجودة، وأحيانًا الإجابات غير المتقنة جزء من التجربة المتعمدة.
## فكرة «الاستسلام المعرفي» للذكاء الاصطناعي
يرى تاكر براينت أن فكرة المشروع جاءت ردًا على ما يُعرف بـ «الاستسلام المعرفي» (Cognitive Abdication) للذكاء الاصطناعي. وهو مصطلح صاغته أبحاث في كلية وارتون بجامعة بنسلفانيا لوصف ميل بعض مستخدمي روبوتات الدردشة إلى تفويض التفكير النقدي للمنصة، واتباع النصائح بثقة حتى عندما تكون خاطئة أو مضللة.
ويؤكد براينت أن الكثيرين أصبحوا يتعاملون مع إجابات الأنظمة باعتبارها سريعة وواثقة و«ذكية» بدرجة تقل معها عادةً القدرة على التشكيك. فالشاشة الهادئة، والرسوم المتحركة التي توحي بأن النظام يفكر، وظهور النص حرفًا حرفًا—كلها قد تعطي انطباعًا بالمنطق والدقة حتى دون التحقق.
## مشروع فني ساخر لا يهاجم الذكاء… بل يختبر المستخدم
على الرغم من أن الفكرة تبدو كأنها نقد مباشر للذكاء الاصطناعي، أوضح براينت أنه ليس ضد التكنولوجيا نفسها. يقول إن المشروع مؤيد للتفكير بالأفكار الخاصة، وأن ما يحدث في ChatTJB مقصود به تذكير المستخدم بأن الاعتماد الأعمى على الإجابات الجاهزة يضعف مهارات التفكير النقدي.
ويصف التجربة بأنها «غير مريحة» عمدًا: ستكون الإجابات بطيئة، وربما غير صحيحة، وربما صحيحة—لكنها غالبًا ستكون غامضة. الفكرة ليست تقديم «أفضل رد» بل تقديم تجربة سيئة تعكس كيف يمكن أن تُخدع العقول أحيانًا بانطباعات الثقة والتماسك اللغوي.
## الرسومات اليدوية وإخلاء المسؤولية
إلى جانب الردود النصية، يتيح ChatTJB أيضًا طلب إنشاء صور، لكن بأسلوب رسومات يدوية، ما يعزز الطابع الفني للمشروع. ويشير إخلاء المسؤولية على الموقع إلى أن الخدمة «عمل ساخر ومشروع فني عام» وليست فرصة استثمارية حقيقية.
ومع ذلك، يوفر الموقع خيارًا للمساعدة في تمويل اللوحة الإعلانية عبر الاشتراك في باقة «برو».
## لماذا قد يكون هذا التحدي مفيدًا؟
الهدف النهائي—كما يراه براينت—هو دفع المستخدم إلى التوقف بدلًا من الاكتفاء برد جاهز. فمجرد أن المحادثة تبدو أنيقة لا يعني أن المستخدم لم يعد بحاجة إلى التفكير بنفسه. بل على العكس، تجربة ChatTJB تدفع إلى طرح سؤال جديد: ماذا لو كانت «الذكاء» مجرد واجهة؟ وماذا لو كان من داخل الشاشة مجرد إنسان يفكر ببطء؟
وفي ختام فكرته، يلمّح براينت إلى مفارقة لافتة: التطور التالي في عالم الذكاء الاصطناعي قد يحمل طابع «عبثية الإنسان»—أي أن المشكلة لا تكون في الآلة وحدها، بل في طريقة استخدامنا لها وكيفية تسليمنا لعقولنا دون مراجعة.

التعليقات