التخطي إلى المحتوى

أكد الكاتب الصحفي والمحلل السياسي عاطف عبدالغني أن الدول العربية تقف في موقع “الخاسر الأكبر” في كثير من الصراعات الإقليمية، حتى عندما لا تكون طرفًا مباشرًا في المواجهات. وأوضح عبدالغني أن طبيعة تناول هذه الملفات غالبًا ما ترتكز على الرواية والتحليلات الصادرة من خارج المنطقة، فتتوقف عند مؤشرات الخسائر الاقتصادية والأمنية، دون الغوص في الأبعاد السياسية والاستراتيجية الأعمق التي تحكم اتجاهات الصراع وتعيد تشكيل موازين النفوذ.

وأشار خلال حديثه في برنامج “خط أحمر” الذي يقدمه الإعلامي محمد موسى على قناة الحدث اليوم، إلى أن الجغرافيا السياسية العربية ليست مجرد عامل طبيعي، بل أصبحت عامل ضغط مستمر بفعل تموضع الدول العربية في قلب بؤر التوتر وعلى تماس مباشر مع مسارح النزاع. ونتيجة ذلك، تتحمل المنطقة فاتورة مزدوجة: أعباء اقتصادية ناجمة عن اضطراب التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد، وأعباء أمنية تتمثل في ارتفاع المخاطر على الحدود والملاحة والتجمعات المدنية، إضافة إلى كلفة الاستجابة العسكرية والأمنية على مدار فترات طويلة.

وحول آثار ذلك على دول بعينها، بيّن أن مصر تتأثر بشكل مباشر نتيجة اضطراب الممرات البحرية، وفي مقدمتها قناة السويس، باعتبارها شريانًا حيويًا للتجارة العالمية. فحين تتعرض طرق الملاحة أو ترتفع المخاطر الأمنية في محيطها، تتراجع حركة النقل، ويرتفع التأمين البحري، وتنتقل الكلفة إلى قطاعات متعددة تشمل الشحن والسلع والقدرة التنافسية للاقتصاد.

وفي الاتجاه المقابل، شدد على أن دول الخليج تتحمل عبئًا أمنيًا متزايدًا بسبب قربها من خطوط التماس مع مناطق الصراع، فضلًا عن وجود منشآتها الحيوية في مناطق حساسة ترتبط بمنظومات الطاقة والاتصالات والتموين. وأوضح أن هذا القرب يرفع احتمالات الاستهداف أو التأثير غير المباشر، سواء عبر تهديدات أمنية مباشرة أو عبر اضطرابات في الإمداد والتمويل الإقليمي.

وأضاف عبدالغني بعدًا آخر يراه بالغ الخطورة يتمثل في المخططات الإسرائيلية داخل المنطقة. واعتبر أن ما يجري في بيئات الصراع لا يقتصر على المواجهات الميدانية، بل تتحول الأحداث إلى فرص تخدم أهدافًا استراتيجية لدى إسرائيل، سواء عبر تعزيز نفوذها أو فرض وقائع جديدة على الأرض. ومن هذا المنظور، يصبح الصراع وسيلة لتوسيع هامش الحركة السياسية والعسكرية بدلًا من أن يكون مجرد مواجهة بين أطراف محددة.

كما تناول المحلل السياسي دور الولايات المتحدة، مشيرًا إلى أنها تسعى إلى تكريس وجودها العسكري والسياسي في الخليج تحت شعار “توفير الحماية”، بما يضمن استمرار نفوذها ويحمي مصالحها الاقتصادية. ولفت إلى أن هذا التوجه لا يمكن فصله عن معادلة المصالح التي تربط بين السيطرة على طرق الطاقة والملاحة وحماية الاستثمارات، وهو ما يجعل المنطقة أكثر ارتباطًا بقرارات القوى الكبرى.

في المقابل، رأى عبدالغني أن إسرائيل تعمل على استغلال حالة الاضطراب لتحقيق أهداف توسعية وتعزيز تفوقها باعتبارها القوة الأكثر تأثيرًا في المنطقة. ومع تزايد الانشغال بالصدمات الأمنية والاقتصادية، تقل قدرة الدول العربية—بحسب طرحه—على توحيد المواقف أو فرض مسارات سياسية بديلة، ما يخلق فراغًا تستغله الأطراف الأكثر تنظيمًا وتخطيطًا.

ولتعميق الصورة، أشار إلى أن استمرار الصراع ينعكس أيضًا على مستويات أخرى غير الاقتصاد والأمن المباشر، مثل تراجع فرص الاستثمار بسبب المخاطر المتصاعدة، وضعف الثقة في الاستقرار الإقليمي، وزيادة النزعات الشعبوية أو الاستقطاب داخل المجتمعات. كما يمكن أن يؤدي إلى إعادة ترتيب التحالفات وتبديل أولويات الدول من إدارة الملفات الداخلية نحو ترميم آثار التوتر، وهو ما يمنح خصوم المنطقة وقتًا إضافيًا لتحقيق مكاسب سياسية.

واختتم حديثه بالتأكيد على أن فهم الخسائر العربية لا يجب أن يقتصر على مظاهرها الظرفية، بل ينبغي أن يمتد إلى تحليل ما الذي تكسبه الأطراف الفاعلة من استمرار الاضطراب، وكيف تتحول الصراعات إلى أدوات لتحقيق مكاسب استراتيجية على المدى القصير والمتوسط. وفي هذا السياق، تصبح قدرة الدول العربية على صياغة رؤى مشتركة وإدارة مخاطرهـا وتحالفاتها عاملًا حاسمًا لتقليل الأضرار ووقف استثمار الصراع لتحقيق أهداف لا تخدم مصالح المنطقة.

https://www.facebook.com/MohamedMusaOfficial/videos/896894119701422

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *