شهدت دول أوروبية خلال الفترة الأخيرة تحركًا ملحوظًا لتشديد التعامل مع جماعة الإخوان، في ظل تصاعد المخاوف من تمدد نفوذها داخل المجتمعات الأوروبية. ويأتي هذا التحرك ضمن توجهات تشريعية وقانونية تهدف إلى الحد من قدرة الجماعة على التأثير، سواء عبر التمويل أو من خلال واجهات مدنية وتعليمية وإعلامية.
وفي تصريح للباحث في شؤون الحركات الإسلامية والمتطرفة عمرو فاروق، أكد أن النظرة الأوروبية للجماعة قد تغيرت مقارنة بالسنوات الماضية. وذكر أن مصطلحات كانت تُستخدم سابقًا لوصف الجماعة ضمن إطار «الإسلام السياسي المعتدل» لم تعد حاضرة بنفس القوة، بعدما أصبحت الحكومات الأوروبية تتعامل معها بشكل أقرب إلى نمط التنظيمات التي تتقاطع مع التطرف، وتخضع لقيود متزايدة على ضوء المستجدات الأمنية والتشريعية.
وأشار فاروق إلى أن الولايات المتحدة—وفق ما أوردته تقارير مرتبطة باستراتيجية الأمن القومي خلال فترة الإدارة برئاسة دونالد ترامب—قد وصفت جماعة الإخوان بأنها «المصنع الأيديولوجي لجماعات التطرف والعمل المسلح»، وهو توصيف اعتبره مؤشرًا على تحول في زاوية التعامل مع الجماعة، بما انعكس لاحقًا على المقاربات الأوروبية ذات الصلة بملفات مكافحة التطرف ومواجهة الأنشطة التنظيمية غير المباشرة.
ولفت الباحث إلى أن مصر لعبت دورًا في دفع الأوروبيين نحو اتخاذ مواقف أكثر تشددًا، عبر تحركات مؤسساتها المختلفة، مشيرًا إلى أن جماعة الإخوان—وفق ما يراه—استغلت مؤسسات حقوقية وإعلامية ومراكز إسلامية داخل أوروبا للتأثير على الداخل المصري والتأثير عبر الروايات والأنشطة العامة.
وأوضح فاروق أن الجماعة استفادت لسنوات من هامش الحريات في أوروبا، حيث أنشأت مؤسسات قدمت نفسها على أنها تمثل الجاليات المسلمة، لكن استخدامها—بحسب تقييمه—لم يقتصر على الجانب الخيري أو الثقافي، بل ارتبط بعمليات استقطاب وتجنيد ونشر سردية فكرية تنظيمية.
ومن بين الأمثلة التي طُرحت، تحدث فاروق عن حجم الانتشار المؤسسي في فرنسا، حيث توجد—بحسب قوله—أكثر من 570 مركزًا إسلاميًا يُشار إلى ارتباط بعضها بجماعة الإخوان، بالإضافة إلى مئات الصناديق الخاصة بالصدقات والتبرعات. واعتبر أن هذه الكيانات قد تُستغل في تمويل أنشطة الجماعة أو إعادة تدوير الأموال عبر قنوات متعددة، بما يجعل تتبع التدفقات المالية أكثر تعقيدًا ويستدعي رقابة أشد.
وأكد الباحث أن جماعة الإخوان لا تعمل داخل أوروبا غالبًا تحت اسمها المباشر، بل عبر كيانات مدنية وأكاديمية وتعليمية؛ وهو ما يدفع السلطات الأوروبية—وفقًا لما ورد—إلى اتخاذ خطوات مثل تجميد مصادر التمويل، وإغلاق بعض المؤسسات التي تُروج لأفكار الجماعة، مع تشديد الرقابة على الأنشطة التعليمية والبحثية، وإخضاع المنظمات المرتبطة بها لمعايير امتثال أكثر صرامة.
وبالإضافة إلى الجانب المالي، تتجه بعض الدول الأوروبية إلى مراجعة آليات الترخيص والحوكمة داخل المؤسسات الدينية والثقافية، ورفع مستوى التحقق من مصادر التمويل والمنح والعقود، فضلاً عن تدقيق البرامج التعليمية وخطط التدريب. كما تتضمن التحركات المتزايدة—في حالات متعددة—تحسين آليات تبادل المعلومات بين الأجهزة الأمنية والقضائية، بهدف كشف شبكات التأثير غير المباشر التي قد تستخدم الجمعيات والواجهات القانونية لنشر أفكار تنظيمية أو تجنيد عناصر.
وفي المحصلة، تبدو الحملة الأوروبية الجديدة أكثر شمولًا من مجرد إجراءات أمنية تقليدية، إذ تجمع بين التشريعات المتعلقة بمكافحة تمويل التطرف، وقيود على نشاط بعض المنظمات، وتضييق مسارات التحويل المالي والإعلامي، بما يجعل البيئة التي تتحرك داخلها الجماعة أكثر صعوبة ويقلل من قدرتها على إعادة إنتاج نفوذها عبر كيانات بديلة.

التعليقات