قال الدكتور هشام فهمي، معاون رئيس مجلس الوزراء السابق، إن منطقة الشرق الأوسط تمر بمرحلة شديدة الحساسية والخطورة، مرجعًا ذلك إلى تشابك وتشابك الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية والجغرافية، بما يجعل أي تصعيد إضافي قابلاً لإحداث تداعيات واسعة على الإقليم بأكمله. وأكد أن التعامل مع الأزمة لا يمكن أن يقتصر على المقاربة الأمنية وحدها، لأن التفاعلات بين ساحات الصراع المختلفة تنعكس سريعًا على الاستقرار الداخلي لدول المنطقة وعلى علاقاتها الإقليمية والدولية.
وأضاف فهمي خلال حواره في برنامج “خط أحمر” الذي يقدمه الإعلامي محمد موسى على قناة الحدث اليوم، أن استمرار الصراع قد يدفع المنطقة إلى مرحلة استنزاف طويلة، لا تقتصر آثارها على الجبهات، بل تمتد إلى القطاعات الاقتصادية والاجتماعية. وأوضح أن الاستنزاف المطوّل قد يضعف مؤسسات الدولة، ويزيد من الأعباء على الموازنات العامة، ويؤثر في جهود التنمية، خصوصًا إذا استمرت الأوضاع دون مسار سياسي واضح أو آليات فعّالة لخفض التصعيد.
وشدد المتحدث على أن المطلوب الآن هو تفعيل “الدبلوماسية الوقائية” قبل أن تتسع دائرة المواجهات أو تتراكم الأخطاء السياسية على نحو يصعب احتواؤه. وبيّن أن منطق الوقاية يقوم على منع الانزلاق إلى مراحل أكثر حدة عبر القنوات الدبلوماسية، وتبادل الرسائل، وتثبيت حدود التوتر، وتشجيع المبادرات التي تسمح بوقف الأعمال العدائية أو على الأقل تقليل احتمالات تمددها.
ورأى هشام فهمي أن مصر، منذ البداية، تبنت نهجًا يقوم على الحكمة والتهدئة والسعي إلى اصطفاف عربي يساعد على حماية استقرار المنطقة. وأشار إلى أن هذا النهج يستند إلى إدراك أن التهدئة ليست هدفًا مؤقتًا فحسب، بل خطوة تمهيدية ضرورية لتهيئة بيئة سياسية تسمح بالحوار وتفتح المجال لقرارات أكثر اتزانًا.
وحذر من أن غياب الحلول السياسية قد يفاقم الأزمات الاقتصادية في المنطقة، لافتًا إلى أن التأثير لا يقتصر على الدول المتأثرة مباشرة بالصراع، بل يطال كذلك الاقتصاد الإقليمي عبر تراجع التجارة وزيادة كلفة المخاطر، إضافة إلى تعطّل أو تذبذب عمل الممرات المائية الحيوية. ولفت إلى أن الممرات الملاحية والطرق التجارية تعد شريانًا اقتصاديًا، وأي اضطراب فيها يمكن أن يرفع تكاليف النقل والتأمين ويؤثر في أسعار السلع.
كما أكد أن المرحلة الحالية تتطلب رؤية مشتركة تمنع اتساع دائرة الصراع، وتعمل في الوقت ذاته على تقليل فرص استغلال حالة الفوضى من قبل الجماعات المتطرفة. وأوضح أن البيئة التي ينشأ عنها فراغ أمني وضعف في مؤسسات الدولة قد تتحول إلى حاضنة لنشاطات غير مشروعة، بما في ذلك تجنيد عناصر جديدة، وتمويل شبكات مسلحة، وابتزاز المجتمعات المحلية.
ولزيادة فرص احتواء الأزمة، شدد هشام فهمي على أهمية ربط المسار الأمني بالمسار السياسي والاقتصادي في آن واحد. فبالإضافة إلى إجراءات خفض التوتر، ينبغي دعم مبادرات الإغاثة وتسهيل وصول المساعدات، وإطلاق ترتيبات تضمن حماية المدنيين، وتعزيز قدرة الدول على مواجهة تداعيات الأزمات. كما دعا إلى تكثيف الجهود المشتركة لتثبيت وقف إطلاق النار أو تقليل التصعيد، وإسناد ذلك بخطوات عملية نحو حل سياسي يحد من أسباب استمرار الصراع.
في الختام، شدد المتحدث على أن “صوت العقل” يجب أن يكون حاضرًا عبر جهود دبلوماسية وقائية تمنع الانزلاق إلى السيناريوهات الأكثر خطورة. فكلما تأخر الحل السياسي اتسعت دائرة الضرر واشتدت التحديات، بينما تزداد فرص النجاح عندما تتضافر الرؤى وتتحرك الأطراف المعنية باتجاه احتواء الأزمة قبل أن تتحول إلى أزمة إقليمية واسعة يصعب السيطرة عليها.

التعليقات