في خطوة تعزز التكامل بين المؤسسات الأكاديمية ومراكز الفكر الوطنية، وتهدف إلى توسيع فرص التعلم التطبيقي لدى طلاب الجامعات، افتتح معهد التخطيط القومي برنامج التدريب الصيفي (Summer Internship Program) لطلاب الفرقتين الثالثة والرابعة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، خلال شهري أغسطس وسبتمبر 2026. ويستهدف البرنامج إتاحة تدريب متخصص يمكّن المشاركين من الانتقال تدريجيًا من بيئة الدراسة إلى بيئة العمل البحثي والتطبيقي، بما يساهم في إعداد كوادر شابة تمتلك المهارات التحليلية والبحثية اللازمة للتعامل مع القضايا التخطيطية والتنموية المعاصرة.
وقد حضر الافتتاح الدكتور أشرف العربي، رئيس معهد التخطيط القومي، والدكتور ممدوح إسماعيل، عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، والدكتور أشرف صلاح الدين، نائب رئيس المعهد لشؤون التدريب والاستشارات وخدمة المجتمع، والدكتور خالد عطية، نائب رئيس المعهد لشؤون البحوث والدراسات العليا، إلى جانب عدد من طلاب الكلية.
وفي كلمته الافتتاحية، أكد الدكتور أشرف العربي أهمية التعاون القائم بين كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ومعهد التخطيط القومي، مشيرًا إلى أن اختيار مدرج الدكتور محمد محمود الإمام لاستضافة البرنامج يحمل دلالة خاصة؛ تقديرًا لأحد أبرز رواد الفكر التخطيطي وخريجي كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وأول من تخصص في الاقتصاد القياسي على مستوى المنطقة العربية، بما أسهم في ترسيخ المدرسة المصرية في مجال التخطيط.
كما شدد رئيس معهد التخطيط القومي على أن نجاح عملية التخطيط يتوقف على تحقيق توازن متقن بين الواقعية والطموح؛ إذ لا يقتصر دور التخطيط على تحليل الواقع وقراءة مؤشراته، بل يمتد إلى استشراف المستقبل وبناء سيناريوهات بديلة قادرة على التعامل مع مختلف المتغيرات والتحديات. وأوضح أن ذلك يستدعي امتلاك رؤية استشرافية، واستخدام أدوات كمية متقدمة وأساليب نمذجة حديثة، وصولًا إلى تقديرات أدق لمؤشرات النمو والاستثمار والادخار وغيرها من المؤشرات الاقتصادية والتنموية.
ومن جانبه، أعرب الأستاذ الدكتور ممدوح إسماعيل عن تقديره لتنظيم هذا البرنامج التدريبي في صرح علمي راسخ، مؤكدًا أن المؤسستين المشاركتين تمثلان جهتين متخصصتين في علوم الدولة وتحليل السياسات، وإعداد ملخصات السياسات والأوراق البيضاء والأدوات المعرفية الداعمة لصنع القرار. وأوضح أن البرنامج يقدم عبر نخبة من خبراء المعهد في مجالات السياسات العامة والتنمية المستدامة، وبمحتوى تدريبي رصين يحقق أهدافه من خلال منظومة متكاملة تقوم على: المعارف، والمهارات، والاتجاهات والسلوكيات.
ويُنفذ البرنامج على مجموعتين تدريبيتين خلال شهري أغسطس وسبتمبر 2026، بإجمالي يقارب (60) طالبًا، بواقع نحو (30) طالبًا لكل مجموعة. وتستمر كل مجموعة لمدة أسبوعين، بما يعادل (10) أيام تدريبية، ويضم البرنامج مزيجًا متوازنًا بين المحاضرات العلمية والتطبيقات العملية وورش العمل التفاعلية ودراسات الحالة.
وتشمل المحاور العلمية والتطبيقية للبرنامج موضوعات تعكس مجالات التميز المؤسسي لمعهد التخطيط القومي، من بينها: منظومة التخطيط والتنمية في مصر، والحوكمة والإصلاح المؤسسي، وتحليل وصنع السياسات العامة، والنمذجة الاقتصادية وتحليل البيانات. كما يتضمن البرنامج تدريبًا على بناء النماذج باستخدام نموذج التنمية المستدامة المتكامل (iSDG Model)، إضافة إلى التخطيط الاستراتيجي، والمتابعة والتقييم، وبناء القدرات، والاستشارات التنموية. ولمواكبة التطورات الحديثة، يضم كذلك محورًا حول توظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي وتحليل البيانات، بما يسهم في رفع كفاءة التحليل ودعم صناعة القرار اعتمادًا على أدوات أكثر حداثة.
ويتيح البرنامج للمشاركين التعرف عن قرب على طبيعة العمل البحثي داخل معهد التخطيط القومي، من خلال لقاءات مباشرة مع قيادات المعهد وخبرائه، والاطلاع على مراحل إعداد الدراسات الاقتصادية والاجتماعية وأوراق السياسات. وتشمل هذه المراحل – وفقًا لطبيعة البرنامج – تحديد المشكلات التنموية وجمع البيانات وتحليلها، ثم بناء النماذج وتحليل البدائل، وصولًا إلى صياغة التوصيات الداعمة لصنع القرار. كما يتعرف المشاركون على بعض التجارب التطبيقية التي ينفذها المعهد في مجالات التخطيط والتنمية المستدامة، بما يعمق فهمهم لدور مراكز الفكر الوطنية في دعم السياسات العامة.
ويقدم البرنامج نخبة من أساتذة وخبراء المعهد، بما يضمن تقديم محتوى تدريبي يجمع بين الأسس العلمية والخبرة التطبيقية. كما تضمنت فعاليات الافتتاح جولة تعريفية داخل معهد التخطيط القومي قام بها الدكتور أشرف العربي رفقة الدكتور ممدوح إسماعيل والطلاب، شملت المكتبة والاستديو الإعلامي والقاعات الدراسية وقاعات المحاضرات، بهدف التعرف على الإمكانات الأكاديمية والبحثية والتدريبية التي يضمها المعهد، والاطلاع على بيئة العمل والخدمات والأنشطة التي يدعم من خلالها البحث العلمي وبناء القدرات.
وتأتي هذه المبادرة ضمن توجه أوسع لخلق جسور عملية بين الجامعات ومراكز الفكر، عبر تدريب مكثف يمزج بين المعرفة النظرية والتطبيقات العملية، بما يتيح للطلاب اكتساب أدوات تحليل السياسات وبناء النماذج، وتعزيز قدرتهم على الإسهام مستقبلاً في معالجة قضايا التنمية والتخطيط بكفاءة ووعي بحثي.

التعليقات