التخطي إلى المحتوى

يحذّر مسؤول تنفيذي بارز من أن القيود والحواجز الرقمية المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين قد تتحول إلى «ستار حديدي رقمي» يهدد بتقسيم الاقتصاد العالمي إلى كتل منفصلة. وفي المقابل، يطرح باحثون ورجال أعمال—ومنهم رولاند بوش، الرئيس التنفيذي لشركة سيمنز—فكرة مفصلية ترى أن أوروبا تستطيع لعب دور جسر موثوق بين المعسكرين عبر تبنّي نهج «التوافق التشغيلي» باعتباره ركيزة لإبقاء سلاسل القيمة والأسواق والعمليات الصناعية مترابطة.

## من العولمة المترابطة إلى «عولمة إقليمية»
يشير بوش إلى أن التكنولوجيا الرقمية خلال العقود الماضية أعادت تشكيل الاقتصاد العالمي عبر تقصير المسافات بين الدول وترابط التجارة والإنتاج والأسواق. فمن منظومات السيارات والهواتف الذكية، إلى أشباه الموصلات والروبوتات الصناعية، أصبح من الصعب—إن لم يكن مستحيلاً—تصنيع منتجات معقّدة داخل موقع واحد فقط.

لكن مسار الاقتصاد لم يعد خطيًا. فبعد جائحة كوفيد-19 ثم أزمات الطاقة ونقص العمالة والتوترات الجيوسياسية، ظهر حجم الهشاشة في الاقتصاد شديد الترابط. وبدأت الشركات تعيد ترتيب أولوياتها بين «المرونة» و«التكلفة» و«الكفاءة» عند الاستثمار والتوريد والإنتاج، ما أدى عمليًا إلى صعود نمط «عولمة إقليمية» بدل العولمة الواسعة.

## الثورة الرقمية الثانية: إنتاج أقرب للعميل… بشرط تبادل البيانات
يرى بوش أن الثورة الرقمية لا تقتصر على إدارة سلاسل التوريد العالمية، بل تساعد أيضاً على إعادة تموضع التصنيع عبر جعل الإنتاج أكثر محلية. فالنهج الحديث يقوم على أنظمة اتصالات رقمية في البرمجيات والبيانات والذكاء الاصطناعي، بحيث تستطيع المصانع العمل بكفاءة حتى عند تغيير المواقع.

وتتجسد هذه الفكرة في «المصانع الرائدة» التي جرى وصفها ضمن مؤشرات عالمية للمصانع الذكية. ففي هذه البيئات يرتفع مستوى إنتاجية العمل بصورة ملحوظة، وتنخفض مدة تكييف خطوط الإنتاج، إلا أن قابلية تعميم هذه النتائج تعتمد على عنصر حاسم: قدرة الآلات والمصانع والشركات على تبادل البيانات، وإعادة استخدام الحلول الرقمية عبر الحدود.

## لماذا «التوافق التشغيلي» أكثر واقعية من فكرة الانغلاق؟
تختلف اقتصاديات البرمجيات والبيانات والذكاء الاصطناعي عن اقتصاديات البنية المادية. إذ يمكن تحسين نموذج رقمي أو تطبيق أو أداة ذكاء اصطناعي في مكان ما ثم نسخه وتطبيقه في أماكن أخرى كثيرة بشرط توفر قابلية التبادل والوصول إلى البيانات ذات الصلة، وليس بالضرورة إعادة بناء المصانع أو البنية التحتية من الصفر.

ومن هنا يرى بوش أن منطق «التوافق» قوي لأنه يسمح للشركات المتنافسة—بدل إغلاقها لكل ما لديها—بإنشاء روابط تشغيلية تجعل التكنولوجيا تعمل عبر الحدود. والمفتاح الذي يراه لتحقيق ذلك يتمثل في المعايير المشتركة: فحين يعمل الجميع وفق قواعد متقاربة منذ البداية، تستطيع الأنظمة المختلفة أن تعمل معًا دون أن تتطابق حرفيًا.

كمثال على ذلك، تمت الإشارة إلى ربط شبكات صناعية منفصلة في قطاع السيارات عبر جهود تعاون دولي، بحيث يحتفظ كل طرف ببنيته الخاصة مع تمكين التبادل التشغيلي بين المنظومات.

## التحدي الحقيقي: القيود التقنية والجغرافيا السياسية
على الرغم من قوة فكرة التوافق، يذكّر بوش بأن التحديات تتعاظم. فبينما تُبنى الجسور التقنية للتواصل، تعيد الجغرافيا السياسية ترسيم الحدود—ومن ثم تعود إلى الواجهة سياسات تضبط التقنيات والبيانات وسلاسل التوريد.

وتتجلى هذه السياسات في مجموعة أدوات قد تُصعّب ربط الأنظمة، مثل:
– ضوابط التصدير المرتبطة بالتقنيات الحساسة.
– قواعد توطين البيانات التي تحدد مكان حفظ البيانات أو معالجتها.
– متطلبات أمن سيبراني تختلف من منطقة إلى أخرى.
– اختلافات تنظيمية قد تؤدي عمليًا إلى «تعدد طبقات التشغيل» بدل منصة واحدة.

وكل حاجز جديد يزيد كلفة التكييف ووقت التكامل، ويؤخر توسيع ما نجح في مكان ما، ويضعف القدرة على طرح منتجات أفضل في الأسواق العالمية. ومع استمرار هذا التوجه دون ضوابط فعالة، قد تترسخ «الحدود الرقمية» لتصبح ستارًا حديديًا جديدًا يبطئ التقدم والتجارة وتبادل الأفكار.

## لماذا لأوروبا مصلحة خاصة؟
تتمتع أوروبا—بحسب بوش—بوضع استثنائي لأنها تقع بين قوتين تكنولوجيتين عظيمتين، ما يمنحها مصلحة مباشرة في إيجاد حلول تقلل التفتت. ويمكن—عوض بناء نظام مغلق آخر—أن تتحول أوروبا إلى حلقة وصل موثوقة، حيث تتعاون الشركات والتقنيات والبيانات من مناطق مختلفة.

لكن هذا يتطلب «منظومة جاذبة» وليس شعارات تنظيمية فقط. فلكي تنضم الأطراف الأخرى طوعًا، يجب أن تُظهر أوروبا قدرة على تحويل قواعدها إلى بيئة تمكينية تقلل التكلفة وتعزز سرعة التكامل. كما يتطلب الأمر أن تتبنى أوروبا التوافق التشغيلي باعتباره أولوية استراتيجية، وأن تجعل منه جزءًا من دبلوماسيتها الاقتصادية.

## نحو سوق موحدة ومعايير وإتاحة التبديل بين الأنظمة
يقترح بوش أن يصبح التوافق التشغيلي حتمية استراتيجية للاتحاد الأوروبي، وأن يكون توسيع السوق الموحدة للمنتجات والخدمات الرقمية خطوة ضرورية لتعزيز المصداقية والكفاءة. وإذا تعذر توحيد كل شيء على الفور، فالحل العملي يتمثل في تطوير واجهات تمكّن من «التبديل» بين الأنظمة، سواء عبر الشركات أو التحالفات الصناعية أو الشراكات بين القطاعين العام والخاص.

## نموذج محتمل: شراكات رقمية تمتد إلى اقتصادات محيط الهادئ
في سياق البحث عن بدائل تقلل آثار الاستقطاب، يُطرح تصور أن الشراكات التجارية الرقمية مع اقتصادات المحيط الهادئ—بما فيها اليابان وأستراليا وكندا—قد توفر نموذجًا لدمج منظومات متعددة دون إجبارها على الانغلاق ضمن كتلة واحدة. فنجاح هذه المقاربة يتطلب تحويل الاتفاقات إلى مواصفات ومعايير تشغيلية قابلة للتطبيق، وليس مجرد تفاهمات عامة.

## سؤال المرحلة الحاسمة
يبقى السؤال الأهم عالميًا: هل ستُبنى المرونة على روابط ومعايير مشتركة، أم على أنظمة مصممة ليعزل كل طرف الآخر؟ الإجابة عن هذا السؤال—وفق طرح بوش—ستحدد ما إذا كان عالم اليوم سيظل مترابطًا رغم الصدمات، أم أنه سيتحول إلى عالم إقليمي متقاطع وحذر يضعف تدفق التكنولوجيا والمعرفة والفرص الاقتصادية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *