كشفت مراجعة علمية لبيانات سلسلة هزات أرضية ضربت الفلبين أن الأرقام التي تُعلن فور وقوع الزلزال قد تكون تقديرات أولية وليست نهائية، إذ يجري لاحقًا تحديثها بعد وصول بيانات إضافية من محطات الرصد وإعادة تحليل الموجات الزلزالية.
وبحسب النشرة الرسمية المحدثة الصادرة عن المعهد الفلبيني لعلوم البراكين والزلازل PHIVOLCS، فقد وقعت إحدى الهزات في الساعة 9:16 مساءً يوم 29 يوليو 2026. في البداية أشارت التقديرات إلى أن قوتها بلغت 5.5 درجة وعلى عمق 10 كيلومترات. ثم تم تعديل النتائج رسميًا لاحقًا إلى 4.8 درجة وفق مقياس العزم الزلزالي، وعلى عمق 33 كيلومترًا.
وأوضح المعهد أن هذه الهزة تُعد من الهزات الارتدادية (Aftershocks) لزلزالين أقوى ضربا سواحل سارانغاني ودافاو الغربية في يونيو الماضي بقوتي 7.8 و6.5 درجة، مشيرًا إلى أنه لم تكن هناك توقعات أن تتسبب الهزة المحدثة في أضرار. كما تناولت صحيفة نيويورك تايمز النشاط الزلزالي ضمن تقرير تفاعلي اعتمد على بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية USGS.
لماذا تتغير قوة الزلزال وعمقه بعد الإعلان الأولي؟
تغيير أرقام الزلازل لا يعني بالضرورة وجود خطأ في الأجهزة، بل يرتبط بطبيعة عمل شبكات المراقبة الزلزالية عالميًا. فعند حدوث الزلزال، تصل الإشارات الأولية بسرعة إلى أقرب محطات الرصد، وخلال ثوانٍ تُطلق الخوارزميات تقديرًا أوليًا لموقع الحدث وقوته وعمقه.
لكن مع مرور الوقت، تتوفر تسجيلات من محطات أبعد، وتصبح البيانات أكثر اكتمالًا، كما تُستخدم نماذج تحليل أدق لتقدير مسار الموجات عبر باطن الأرض. وبناءً على ذلك قد تُراجع الحسابات، فتتغير قوة الزلزال أو عمقه أو حتى موقعه بشكل طفيف أو واضح حسب توفر المعلومات.
هل خرائط الزلازل تتنبأ بالهزات المستقبلية؟
الوقت الظاهر في خرائط الزلازل عادةً يعكس موعد حدوث الهزة المسجلة بالفعل وليس تنبؤًا بزلزال سيقع لاحقًا. ورغم التطور الكبير في تقنيات المراقبة (خاصة شبكة المحطات، وطرق قياس الإزاحة ونمذجة الموجات)، فإن التنبؤ بدقة بوقت الزلزال ومكانه وقوته قبل حدوثه ما يزال غير ممكن على نحو موثوق.
في المقابل، تستطيع الجهات العلمية والأنظمة التقنية مراقبة النشاط الزلزالي باستمرار، وقياس مؤشرات الاحتمالات، وإصدار إنذارات مبكرة بعد بدء الزلزال فعليًا وقبل وصول الموجات الأكثر تدميرًا.
هل توجد علاقة بين زلازل الفلبين وهزة شعر بها المصريون؟
قد يثير التزامن الزمني بين الأحداث في مناطق مختلفة تساؤلات حول وجود علاقة جيولوجية. لكن التقارب الزمني بين زلزال في الفلبين وهزة يشعر بها سكان في مصر لا يُعد في حد ذاته دليلًا على وجود صلة مباشرة.
كل منطقة تخضع لمنظومة تكتونية خاصة بها، وتتحكم في النشاط الزلزالي عوامل مثل حدود الصفائح التكتونية، والصدوع النشطة، وبنية القشرة الأرضية. لذلك، فقد يحدث نشاط زلزالي في مناطق بعيدة في توقيت متقارب دون أن يكون هناك ارتباط بنيوي مباشر بين الحدثين.
كيف تعمل أنظمة الإنذار المبكر بالزلازل؟
تستفيد أنظمة الإنذار المبكر من حقيقة أن أنواعًا مختلفة من الموجات الزلزالية تتحرك بسرعات مختلفة. فعند حدوث الزلزال، تخرج الموجات الأولية P-Waves وهي الأسرع غالبًا والأقل تدميرًا. تستقبلها محطات الرصد، ثم تعالجها الخوارزميات بسرعة لتقدير مكان الحدث وشدته.
بعد التأكد من وقوع الزلزال، تُرسل الأنظمة تنبيهات قبل وصول الموجات الثانوية S-Waves الأكثر تدميرًا إلى بعض المناطق. النتيجة أن الإنذار المبكر لا يعني معرفة الزلزال مسبقًا، بل يعني توفير ثوانٍ ثمينة من لحظة الاكتشاف إلى لحظة وصول الاهتزازات القوية.
ثوانٍ قد تغيّر الكثير
رغم أن مدة الإنذار غالبًا لا تتجاوز بضع ثوانٍ، إلا أنها كافية لتنفيذ خطوات تقلل الخسائر وتساعد على حماية الأرواح، مثل:
- إيقاف القطارات أو الحد من سرعتها فورًا في المناطق المعرضة للاهتزازات.
- تحسين سلامة المصاعد من خلال ضبطها للتوقف في أقرب طابق.
- إغلاق أو تقليل تشغيل خطوط الغاز في المنشآت الحساسة.
- تنبيه المستشفيات والمدارس بتفعيل إجراءات الاستجابة السريعة.
- وصول تنبيهات فورية عبر الهواتف الذكية وربطها بإجراءات الطوارئ المحلية.
وبذلك لم تعد خرائط الزلازل مجرد وسيلة لعرض الأحداث، بل أصبحت الإنذارات المبكرة جزءًا من منظومة أوسع للاستجابة، تساعد الحكومات والجهات المعنية على اتخاذ قرارات أسرع في اللحظات الأولى.
في النهاية، تؤكد مراجعات مثل تلك التي حدثت لِهزات الفلبين أن العلم يعمل على تحسين الدقة باستمرار: ما يُعلن أولًا هو تقدير سريع، بينما تأتي النسخ المحدثة لتقديم صورة أدق مدعومة ببيانات أكثر وتحليل أشمل.

التعليقات