رغم تزايد موجات الحرّ والصيف ووقوع حرائق موسمية تُخلّف خسائر مادية جسيمة في المنازل والمنشآت التجارية، لا تزال نسبة الإقبال على وثائق تأمين الحريق في السوق المصري منخفضة مقارنة بحجم المخاطر. ويثير استمرار هذا الإحجام تساؤلات حول ما الذي يمنع الأفراد وأصحاب الأعمال من حماية ممتلكاتهم مبكرًا، خصوصًا أن تكلفة التأمين غالبًا أقل بكثير من تكلفة التعويضات وما يتبعها من تعطل وتشريد أو توقف نشاط.
وفي هذا السياق، أكد أحمد النجار، وسيط تأمين وخبير تأميني، أن ضعف الإقبال على تأمين الحريق حاليًا يرتبط بعدة عوامل رئيسية تتداخل معًا لتؤثر في قرار العميل، وهي:
1) غياب الإلزام القانوني
لا توجد—بحسب ما يراه مختصون—اشتراطات قانونية ملزمة بصورة عامة لأصحاب العقارات السكنية أو للمشروعات الصغيرة بتأمين الحريق. وفي كثير من الحالات تقتصر التغطيات على المنشآت الكبرى أو تُربط بالتمويل البنكي فقط، ما يجعل التأمين خيارًا “اختياريًا” لا يُعد أولوية لدى شرائح واسعة.
2) ضعف الوعي وفجوة الثقة
تنتشر لدى جزء من الجمهور فكرة أن التأمين مجرد تكلفة شهرية أو سنوية بلا عائد ملموس فورًا، مع ثقافة تأجيل مواجهة المخاطر إلى حين وقوع الكارثة. كما تتنامى مخاوف مرتبطة بتعقيد الإجراءات عند صرف التعويضات، أو الاعتقاد بأن الشركة قد ترفض المطالبة لأسباب إجرائية.
ومن التحديات كذلك غياب شرح مبسّط لحدود التغطية والاستثناءات وشروط المعاينة، الأمر الذي يجعل العميل غير قادر على تقدير ما يحصل عليه فعليًا عند حدوث حريق.
3) توسع الأنشطة غير الرسمية
يشير الخبراء إلى أن جزءًا كبيرًا من الورش والمحال يعمل دون تراخيص أو ملفات نظامية واضحة، ما يقلل من إمكانية استيفاء متطلبات الأمن والسلامة المطلوبة من بعض شركات التأمين عند الاكتتاب. وبغياب المعاينات الفنية أو وجود اشتراطات تنظيمية غير مكتملة، تتراجع قابلية تحويل المخاطر إلى وثيقة قابلة للبيع بسلاسة.
4) الضغوط الاقتصادية الحالية
يؤثر التضخم وارتفاع تكلفة المعيشة على قدرة الأفراد وصغار التجار على تخصيص ميزانية إضافية لإدارة المخاطر المستقبلية. فيتم تقديم المصروفات التشغيلية اليومية على حساب أي إنفاق “وقائي”، حتى لو كان يضمن حماية أكبر ضد خسائر قد تكون كارثية.
الخروج من الأزمة: حلول عملية لرفع الإقبال
لتحريك سوق تأمين الحريق وزيادة معدلات الاشتراك، يرى أحمد النجار ضرورة تبني حزمة إجراءات متوازنة تجمع بين منتجات أكثر ملاءمة وتوعية أوضح وتسهيل الإجراءات. ومن أبرز المقترحات:
أولًا: التوسع في وثائق التأمين متناهي الصغر
يُعد إطلاق وثائق “تأمين الحريق متناهي الصغر” إحدى الطرق الفعّالة لتقليل حاجز السعر، عبر أقساط مبسطة تناسب محدودي الدخل وأصحاب الأنشطة الصغيرة. هذه المنتجات تُصمم عادةً لتغطية احتياجات محددة وبحدود واضحة، ما يجعلها مفهومة وسهلة الاشتراك.
ثانيًا: حملات توعوية مرتبطة بالتكلفة الحقيقية
بدل الاكتفاء بالشعار العام، تُنصح الحملات بتوضيح فكرة محورية: أن تكلفة الحماية السنوية قد تكون منخفضة مقارنة بحجم الخسائر عند وقوع حريق، سواء من حيث الأضرار المباشرة أو تكلفة الإصلاح والتجهيز وإعادة تشغيل النشاط. كما ينبغي تقديم أمثلة واقعية لسيناريوهات شائعة مثل الحرائق المنزلية أو حوادث المنشآت التجارية الصغيرة.
ثالثًا: تبسيط رحلة العميل وصرف التعويض
رفع الثقة يتطلب توضيحًا مبكرًا لخطوات المطالبة في حال الحريق: ما المستندات المطلوبة؟ كيف تتم المعاينة؟ وما مدة اتخاذ القرار؟ كلما كانت الإجراءات أكثر شفافية وسهولة، قلّت المخاوف لدى العميل وزادت احتمالات التجاوب مع المنتج.
رابعًا: ربط التأمين بتطبيق اشتراطات السلامة
يمكن للشركات والمؤسسات الوسيطة تشجيع العملاء—خصوصًا أصحاب المحال—على تحسين مستوى السلامة عبر حلول بسيطة مثل أجهزة الإطفاء ومخارج الطوارئ والالتزام بمعايير تخزين المواد القابلة للاشتعال. فوجود مستويات سلامة أفضل عادةً ينعكس على تقييم المخاطر وبالتالي يسهم في تسهيل القبول والتسعير العادل.
وفي النهاية، فإن رفع الإقبال على تأمين الحريق في مصر لا يعتمد على عامل واحد، بل على معالجة ضعف الإلزام القانوني، وتضييق فجوة الوعي والثقة، ودعم إدماج الأنشطة الصغيرة بصورة نظامية، وتقديم منتجات مرنة تناسب القدرة الشرائية الحالية. وعندما تصبح وثيقة التأمين مفهومة وسهلة الوصول وعائدها واضحًا، يتحول التأمين من “عبء مالي” إلى أداة حماية حقيقية من خسائر قد تكون أكبر من الاحتمال.

التعليقات