التخطي إلى المحتوى

في ظل موجات الحر القياسية وارتفاع درجات الحرارة بشكل متسارع حول العالم، برزت اليابان بحل هندسي عملي لمشكلة قديمة تتفاقم مع المناخ: كيف نخفف أثر الإجهاد الحراري وضربات الشمس على العمال، خصوصًا في مواقع العمل المفتوحة.

كشفت شركة TRUSCO Nakayama Corporation عن مقصورة تبريد فردية تُعرف شعبيًا باسم “الثلاجة البشرية”، تحمل الاسم Do Reimon Box. والفكرة الأساسية تعتمد على تبريد شخص داخل مقصورة صغيرة بدلًا من تبريد المكان بالكامل، ما يجعل الجهاز مناسبًا كحل ميداني سريع في مواقع البناء والمصانع والورش والمخازن والمناطق الخارجية.

ما هي “الثلاجة البشرية”؟

المقصورة مصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ، وتُصمَّم لتستوعب شخصًا واحدًا في الداخل. يدخل المستخدم المقصورة، ويجلس على مقعد داخلها، ثم يُغلق الباب لتبدأ عملية التبريد. وبحسب مواصفات الشركة، تم تصميم الجهاز ليعمل كمحطة تبريد متنقلة يمكن نقلها بين مواقع العمل بسهولة، دون الحاجة إلى بنية تحتية معقدة أو تجهيزات كبيرة.

التبريد الموجّه: كيف يبرد الجسم خلال دقائق؟

تميّز المقصورة بنظام يحافظ على درجة داخلية تقارب 15 درجة مئوية، مع الاعتماد على فتحات هواء موجهة شديدة البرودة تصل إلى نحو 5 درجات مئوية. وهذه التيارات تُوجَّه مباشرة نحو مناطق محددة في الجسم، وعلى وجه الخصوص الرأس والرقبة والظهر؛ وهي مناطق ترتبط بشكل مباشر بتنظيم حرارة الجسم.

تُقدّم المقصورة تأثيرًا سريعًا عبر تبريد “موضعي” يساهم في خفض حرارة الجسم وإعادة إحساس بالانتعاش، وهو ما قد يكون مفيدًا أثناء فترات الراحة القصيرة للعمال. وتوضح الشركة أن الجلوس داخل المقصورة لمدة تتراوح بين 5 و10 دقائق قد يكون كافيًا لإحداث فرق ملحوظ، كما يتم إيقاف التشغيل تلقائيًا بعد 20 دقيقة لتقليل احتمال التعرض لانخفاض مفرط في حرارة الجسم.

هل يغني هذا الجهاز عن إجراءات السلامة الأخرى؟

رغم أن فكرة الجهاز مبتكرة، تؤكد الشركة المطورة أن Do Reimon Box ليس بديلاً عن الأساسيات الطبية والسلامة المهنية. فالوقاية من ضربات الشمس تعتمد أيضًا على شرب المياه، والالتزام بفترات راحة مناسبة في الظل أو أماكن أكثر برودة، واتباع أنظمة العمل المعتمدة أثناء موجات الحر. كما تظل الحاجة للرعاية الطبية قائمة عند ظهور أعراض مقلقة مثل الدوخة الشديدة، الارتباك، الغثيان، أو ارتفاع الحرارة بشكل غير طبيعي.

لماذا تأتي هذه الفكرة في وقتها؟

تشير التقارير إلى أن اليابان شهدت في السنوات الأخيرة صيفًا أكثر سخونة، مع ارتفاع عدد حالات الإجهاد الحراري وضربات الشمس. وتعتبر الأعمال في القطاعات التي تتطلب تواجدًا طويلًا في العراء أو في بيئات صناعية حارة—مثل البناء والصيانة والطرق واللوجستيات—الأكثر تعرضًا للخطر. لذلك تُعتبر المقصورة وسيلة إضافية لدعم العمال خلال فترات الراحة، بحيث تسمح لهم باستعادة وضع أفضل من حيث القدرة على الاستمرار قبل العودة إلى المهام.

مستوحاة من تقنيات تبريد الأغذية

الميزة اللافتة أن مصدر الإلهام جاء من تقنيات التبريد المستخدمة في معدات تبريد الأغذية المجمدة، مثل ماكينات بيع الأطعمة المبردة/المجمدة. وقد أعاد المهندسون تصميم أنظمة التبريد نفسها داخل مقصورة بحجم الإنسان، بهدف الحصول على تبريد قوي وموضعي في وقت قصير وبطريقة آمنة.

من الناحية التشغيلية، يعمل الجهاز عبر مصدر كهرباء منزلي بجهد 100 فولت، ويضم عجلات تسهّل نقل المقصورة بين المواقع المختلفة، ما يجعله خيارًا مرنًا للشركات التي تنقل أطقم العمل أو تعمل على مراحل متعددة.

هل يمكن أن تصبح التقنية مستقبل حماية العمال؟

مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة عالميًا بسبب التغير المناخي، من المتوقع أن تتزايد الحاجة إلى حلول تقلل مخاطر العمل في الحر الشديد. وبينما لا تُعد “الثلاجة البشرية” علاجًا طبيًا، فإنها تقدم نموذجًا جديدًا لإدارة مخاطر الحرارة داخل بيئة العمل عبر تبريد فردي موجّه وسريع. وبمرور الوقت، قد تتحول هذه الفكرة إلى جزء من منظومات السلامة المهنية في العديد من القطاعات، خاصة في الأعمال التي يصعب فيها توفير تبريد شامل للموقع.

وبشكل عملي، يمكن النظر إلى Do Reimon Box كأداة مساندة: تُمكّن العامل من الحصول على “استراحة تبريد” قصيرة ومنتظمة، ضمن خطة سلامة تشمل الماء والتهوية والتدرج في ساعات العمل ومراقبة أعراض الإجهاد الحراري.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *