تكتسب زيارة وزير الداخلية الإيراني إلى باكستان أهمية متزايدة في ظل تزايد التوترات والحرب في مناطق متعددة من الشرق الأوسط، وهو ما يدفع إسلام آباد إلى تكثيف مساعيها الدبلوماسية لاحتواء التصعيد وتهيئة الظروف لاستئناف الحوار بين الأطراف المعنية. وفي هذا السياق، أكد زاهد محمود، مدير معهد الدراسات الاستراتيجية للسلام والصراعات، أن الزيارة تأتي ضمن إطار يتجاوز مجرد اللقاءات الرسمية، ليعكس رغبة مشتركة في توظيف القنوات السياسية والدبلوماسية بدلاً من خيارات التصعيد.
وأوضح زاهد محمود، في مداخلة مع الإعلامية هاجر جلال مقدمة برنامج “منتصف النهار” على قناة “القاهرة الإخبارية”، أن باكستان تعمل على تعزيز انخراطها الدبلوماسي عبر اتصالات متزامنة مع كل من الولايات المتحدة وإيران. وتهدف هذه الاتصالات إلى إيصال الرسائل المتبادلة بين العواصم المعنية، بما يساعد على خلق أرضية تفاهمات أولية قد تمهّد لعودة الأطراف إلى طاولة المفاوضات، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن تحقيق السلام لا يتحقق عبر القوة وحدها، بل عبر المسار الدبلوماسي وفتح قنوات الحوار المنضبطة.
وأشار مدير معهد الدراسات الاستراتيجية للسلام والصراعات إلى أن وزير الداخلية الإيراني يحمل خلال زيارته رسائل من الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، بالتزامن مع استمرار المباحثات الثنائية بين طهران وإسلام آباد. وتكتسب هذه النقطة دلالتها في قراءة المشهد الإقليمي، إذ إن جمع رسائل القيادة الإيرانية في إطار زيارة داخلية/سياسية لباكستان يوحي بأن طهران تنظر إلى العلاقة مع إسلام آباد كجزء من شبكة أوسع لتخفيف الاحتقان وتهدئة التوترات.
ولفت زاهد محمود إلى أن باكستان ستنقل بدورها موقف الجانب الأمريكي، وستركز على ضرورة وقف الأعمال العدائية والتصعيد الجاري. ويرى أن هذه الخطوة تمثل المدخل الأساسي لأي تحرك جاد نحو استئناف المفاوضات، لأن وقف التصعيد يعد عادة الشرط الذي يسبق أي نقاش حول الترتيبات السياسية أو الأمنية. ومن منظور باكستان، فإن إدارة قنوات التواصل مع واشنطن وطهران تساعد على تقليل مخاطر سوء الفهم، وتدعم فرص الاتفاق على خطوات عملية قابلة للتنفيذ.
وفي نهاية المطاف، أكد زاهد محمود أن القوة العسكرية قد تمنح أطراف النزاع مكاسب مرحلية أو ترجيحاً مؤقتاً في بعض المراحل، إلا أن الحل الدائم يتطلب معالجة جذور الأزمة عبر الدبلوماسية. وأعرب عن أمله في أن تسهم الزيارة في تحقيق انفراجة دبلوماسية، وصولاً إلى وقف للتصعيد يعقبه استئناف للمباحثات، سواء بشكل فوري أو بعد فترة قصيرة. كما شدد على أن التفاوض يظل الخيار الحتمي في نهاية المطاف، خصوصاً مع تعاظم كلفة التصعيد على المنطقة، وازدياد الحاجة إلى ترتيبات تضمن الاستقرار وتفتح الباب أمام حلول سياسية تتناسب مع مصالح جميع الأطراف.
وبالاستناد إلى توجهات إسلام آباد، فإن الخطوة الحالية يمكن قراءتها أيضاً ضمن سياسة “الوساطة النشطة” التي تحاول من خلالها باكستان لعب دور توافقي بين القوى الإقليمية والدولية. ويظل نجاح هذه المساعي مرتبطاً بمدى الاستجابة لمطلب وقف التصعيد، وبقدرة الأطراف على تحويل الاتصالات إلى مسار تفاوضي فعّال، مدعوم بتفاهمات واضحة حول الخطوات القادمة ووقف الانزلاق نحو جولات جديدة من التصعيد.

التعليقات