تتجه الدولة إلى تبني حلول علمية ومستدامة لإدارة ملف حيوانات الشوارع، بهدف تعزيز الصحة العامة والحفاظ على البيئة، مع الابتعاد عن الأساليب التقليدية التي تُظهر محدودية تأثيرها وتؤدي غالبًا إلى نتائج غير مستدامة. وتأتي هذه التوجهات ضمن رؤية شاملة تؤكد أن التعامل مع الكلاب والقطط الضالة يجب أن يجمع بين حماية الإنسان والرفق بالحيوان وتوازن النظام البيئي.
الخطة الوطنية الموحدة لإدارة حيوانات الشوارع
تعتمد الخطة الوطنية الموحدة على برامج معترف بها دوليًا تحقق توازنًا عمليًا بين حماية المواطنين والالتزام بالمعايير الإنسانية في التعامل مع الحيوانات. كما تركز على تعزيز التعاون بين الجهات المختصة من أجل تنظيم العمل وتوحيد الإجراءات وضمان تنفيذها بكفاءة، بما يحد من المخاطر الصحية ويضمن نتائج قابلة للقياس على المدى الطويل.
لماذا تتزايد الحاجة لآليات فعالة؟
تزايد الاهتمام بتطوير آليات فعالة للحد من المخاطر الصحية المرتبطة بالحيوانات الضالة، وفي مقدمتها زيادة احتمالات انتقال بعض الأمراض، إلى جانب تأثيرها على جودة الحياة في الأحياء. وفي الوقت نفسه، تسعى الخطة إلى الحفاظ على التوازن البيولوجي، بحيث لا تُختزل المشكلة في “المطاردة” أو “الحلول المؤقتة”، بل تُعالج بمنهج يراعي الطبيعة البيئية وسلوكيات الحيوانات.
منهج علمي متكامل: التقاط–تعقيم–إرجاع (TNR)
أكد الدكتور علي إبراهيم، الأستاذ بمعهد البحوث الزراعية، أن الخطة الوطنية الموحدة تمثل نقلة نوعية في أسلوب التعامل مع هذا الملف، لكونها تستند إلى رؤية علمية تستهدف تحقيق التوازن بين حماية المواطنين والحفاظ على البيئة والرفق بالحيوان. ويقوم البرنامج الأساسي على تطبيق نموذج التقاط–تعقيم–تحصين–إرجاع (TNR)، والذي يشمل:
1) التقاط الحيوانات الضالة بطرق منظمة وآمنة.
2) تعقيمها للحد من التكاثر بشكل تدريجي ومنضبط.
3) تحصينها ضد الأمراض المهمة صحياً.
4) إعادتها إلى بيئتها الطبيعية بعد استكمال الإجراءات.
نتائج ممتدة مقابل حلول عشوائية
تشير الخبرات الدولية إلى أن نموذج TNR يثبت نجاحه في خفض أعداد الحيوانات الضالة على نحو منظم، مقارنة بالحلول العشوائية التي قد تُعطي أثرًا لحظيًا ثم تعود المشكلة للظهور مجددًا. كما يساهم هذا النهج في تقليل الضغط على موارد الجهات المعنية عبر توحيد أسلوب التدخل وقياس النتائج بشكل أدق.
تطوير منظومة الصحة العامة والبيئة
يرتبط ملف حيوانات الشوارع بتطوير منظومة الصحة العامة، التي تعد ركيزة أساسية في تحقيق التنمية المستدامة. فبدلاً من الاكتفاء بإجراءات آنية، تسعى الخطة إلى إدماج هذا الملف ضمن منظومة أوسع تشمل تحسين البيئة في الأحياء، وتقليل مصادر الخطر، ورفع كفاءة الاستجابة الصحية، بما ينعكس على جودة الحياة والصحة المجتمعية.
حظر استخدام السموم وتوحيد الجهود
تؤكد الخطة استهداف الحفاظ على التوازن البيولوجي والحد من انتشار الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان، وفي مقدمتها داء السعار. كما تشدد على تعزيز التنسيق بين مختلف الجهات المعنية لتوحيد الجهود ومنع تداخل الاختصاصات، مع الالتزام الكامل بحظر استخدام السموم أو تنفيذ عمليات قتل جماعي لحيوانات الشوارع. ويأتي ذلك انسجامًا مع توجهات الحوكمة الرشيدة والالتزام بالمعايير الإنسانية.
فهم سلوك كلاب الشوارع بعيدًا عن الأحكام المسبقة
وفيما يتعلق بسلوك كلاب الشوارع، أوضح الدكتور علي إبراهيم أن العدوانية ليست صفة فطرية لدى أغلب الكلاب، وإنما قد تتأثر بعوامل متعددة، مثل الشعور بالخوف أو التعرض للتهديد، أو المعاناة من الجوع والعطش، أو الإصابة بالألم والمرض. كما قد تلعب بعض الظروف دورًا، مثل دفاع الإناث عن صغارها، أو تعرض الحيوانات لسوء المعاملة من بعض الأشخاص. لذلك فإن التعامل العلمي يتطلب فهم الأسباب وليس الاكتفاء بردود فعل سريعة.
تعزيز الوعي المجتمعي كجزء من الحل
ختامًا، يعتمد نجاح الخطة على تطبيق الأساليب العلمية بشكل منضبط، إلى جانب نشر الوعي المجتمعي حول طرق التعامل الآمن مع حيوانات الشوارع. ويشمل ذلك توجيه السكان إلى سلوكيات تقلل المخاطر، مثل تجنب الاقتراب المفاجئ، والإبلاغ عن الحالات الخطرة للجهات المختصة، وعدم الإيذاء أو إلقاء السموم، إضافة إلى دعم برامج التعقيم والتحصين التي تهدف إلى تحقيق حماية الإنسان والحفاظ على التوازن البيئي والرفق بالحيوان.
وبذلك تصبح إدارة حيوانات الشوارع عملية متكاملة تجمع بين الوقاية الصحية، وتنظيم التدخل، واستدامة النتائج، بما يخدم المجتمع على المدى الطويل.

التعليقات