التخطي إلى المحتوى

كشف الدكتور يوسف بطرس غالي، وزير المالية الأسبق، عن رؤيته الخاصة في بناء الفرق القيادية واختيار الكوادر البشرية، مؤكدًا أن معيار الاختيار الأول لم يكن المؤهلات العلمية وحدها ولا عدد سنوات الخبرة، بل “طريقة التفكير” والقدرة على التحليل وربط الأفكار وصناعة حلول قابلة للتنفيذ. وأوضح غالي أن كثيرًا ممن تولوا لاحقًا مناصب اقتصادية ومالية بارزة كانوا ضمن الفريق الذي ساهم في إعداده وتكوينه منذ المراحل الأولى.

## الكفاءة الاقتصادية… من عقلية التحليل إلى صنع القرار
وخلال لقائه في بودكاست “موعد مع لميس” الذي تقدمه الإعلامية لميس الحديدي، استعرض غالي أسماء عملت معه خلال فترة الإعداد والتأهيل، مشيرًا إلى الدكتور محمود محيي الدين، والدكتور ممتاز السعيد، والدكتور عمرو الجارحي، والدكتور هاني قدري، والدكتور محمد معيط، والدكتور أحمد كجوك، والدكتور محمد فريد، إلى جانب عدد من الكفاءات الاقتصادية الأخرى التي وصلت إلى مواقع قيادية لاحقًا.

وركّز غالي على أن ما كان يميز من يعمل معه هو القدرة على فهم المسائل الاقتصادية كمنظومة مترابطة: من مؤشرات الاقتصاد الكلي، إلى أثر السياسات المالية على القطاعات المختلفة، وصولًا إلى جودة إعداد الخيارات الحكومية. لذلك كان يحرص على عدم الاكتفاء بالسرد النظري للمعلومات، بل اختبار التفكير العملي لدى المرشحين.

## حوار طويل قبل الاختيار: كيف يفكر المرشح؟
قال غالي إنه كان يجري حوارًا مطولًا مع أي مرشح للانضمام إلى فريقه، بهدف التعرف إلى أسلوب تفكير الشخص: كيف يحلل؟ ما سرعة بديهته؟ وكيف يربط بين الأفكار بدلًا من العمل بمعزل عن السياق؟ وأضاف أن امتلاك العقلية التحليلية أهم لديه من المعرفة الأكاديمية، لأن العلم يمكن اكتسابه بالتعلم والانضباط، بينما طريقة التفكير هي التي تضع الأساس لقدرة الشخص على تطوير ذاته والتعامل مع التعقيدات.

ولتعميق هذا المبدأ، كان ينظر إلى المرشح بوصفه “قادرًا على النمو” وليس مجرد “حامل للشهادة”. فالشهادة قد تمنح خلفية معرفية، لكن القدرة على صياغة تحليل متماسك واتخاذ قرار مدعوم بالأرقام والمنطق هي التي تصنع الفارق في بيئة العمل الحكومي المعقدة.

## من القسم الأدبي إلى الاقتصاد والسياسة… ثم التفوق
كما استعاد يوسف بطرس غالي مسارًا تعليميًا غير تقليدي: موضحًا أنه كان من خريجي القسم الأدبي، ثم التحق بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة وتخرج ضمن أوائل دفعته. هذا التحول ينسجم، بحسب رؤيته، مع فكرة أن “القدرة على التفكير” يمكن أن تتغلب على الفجوات الأولية في المسار الدراسي، متى ما توفرت الإرادة والانضباط والقدرة على التعلم المستمر.

## كواليس قبول MIT: 23 طلبًا.. و22 رفضًا
وتوقف غالي عند كواليس قبوله في معهد MIT الأمريكي، مؤكدًا أنه قدم إلى 23 جامعة للحصول على الدكتوراه، وأن 22 جامعة رفضت طلبه قبل أن يمنحه المعهد فرصة بعد مقابلة شخصية مع رئيس القسم. وتبرز من هذه التجربة رسالة جوهرية: أن التقييم لا يكون دائمًا مطابقًا للصورة التي يحملها المرء عن نفسه، وأن الفرصة قد تُمنح عندما يكتشف المقيم “طريقة التفكير” وقدرة التحليل حتى لو تعثرت المسارات الأكاديمية أو واجهت اعتراضات في المراحل الأولى.

## الدراسة كشرط للانضمام… لا كقيد على الطموح
وأضاف غالي أن رئيس القسم اكتشف خلال الحوار أن لديه نقصًا في بعض المقررات العلمية المطلوبة، لكنه أعجب بأسلوب تفكيره وصدق الدافع، وقرر منحه فرصة بشرط دراسة المقررات الأساسية أولًا قبل الالتحاق الرسمي ببرنامج الدكتوراه. ومن وجهة نظره، لم تكن هذه الشروط عقبة، بل كانت جزءًا من بناء “الأساس” الذي يمكّن الشخص من إكمال مساره بجدية وثبات.

وبهذا المعنى، قدم غالي تلخيصًا عمليًا لفلسفته: ينبغي البدء بتقييم “طريقة التفكير” أولًا ثم البناء المعرفي لاحقًا، لأن الشخص القادر على التفكير السليم يمكنه اكتساب المهارات المختلفة بعد ذلك.

## الثقة تصنع القيادات: مسؤوليات مبكرة وتمثيل في أصعب الاجتماعات
ومن المبادئ التي أكد عليها وزير المالية الأسبق أنه كان يمنح مساعديه مسؤوليات كبيرة في سن مبكرة، إيمانًا منه بأن الثقة ليست مجرد شعور، بل طريق حقيقي لبناء القيادات. لذلك كان يرسل أصغر أعضاء الفريق لتمثيل الوزارة في أصعب الاجتماعات لاختبار قدرتهم على الحضور والتفاوض وإدارة التفاصيل تحت الضغط، وبما يحقق لهم خبرة عملية وثقة بالنفس.

## الاختلاف داخل الفريق… شرط لتحسين القرار
كما شدد على أهمية تشجيع الاختلاف في الرأي داخل فريق العمل، واعتبر أن الاستماع لمن يعارضه جزء أساسي من الجودة. وأضاف أنه لم يتردد يومًا في تغيير موقفه إذا وجد رأيًا أفضل أو أكثر إقناعًا، مؤكدًا أن اتخاذ القرار في المجال المالي والاقتصادي يحتاج إلى مراجعة مستمرة للأفكار وليس الجمود على قناعة أولية.

## هدف التأسيس: جيل يكمل مسيرة الإصلاح
وختم يوسف بطرس غالي حديثه بالقول إن الهدف لم يكن إعداد كوادر تخدمه شخصيًا، وإنما تأسيس جيل من القيادات القادر على استكمال مسيرة الإصلاح، والحفاظ على ما تم بناؤه لخدمة الدولة، والاستمرار في تطوير مؤسساتها. وبذلك تتشكل فلسفة غالي كمنظومة متكاملة: اختيار مبني على التفكير والتحليل، وتعلم مستمر، وثقة مسؤولة، وبيئة عمل تشجع الحوار والاختلاف… وصولًا لبناء قدرات تقود العمل العام على المدى الطويل.

## معنى ذلك عمليًا داخل المؤسسات
تصل هذه الرؤية إلى نقطة مهمة لأي مؤسسة تسعى لتطوير كوادرها: القياس الحقيقي ليس في “عدد الدورات” أو “سنوات الخبرة” فقط، بل في قدرة الشخص على تفسير البيانات، وتقديم بدائل، وتحمّل مسؤولية القرار، والتعامل بمرونة مع ما يستجد من تحديات اقتصادية. هذه هي الطريقة التي تحوّل الموظف إلى قائد، وتمنح الفريق قدرة على الاستمرار حتى عند تبدل الظروف.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *