التخطي إلى المحتوى

أعادت منصات التواصل الاجتماعي تشكيل الفضاء العام وطبيعة التفاعل السياسي والاجتماعي بين الأفراد حول العالم، لكنها في كثير من الأحيان لا تعمل كمساحة محايدة للترفيه والحوار؛ إذ تُدار خلف الكواليس بمنطق خوارزمي يركز على تعظيم مدة الانتباه والنقرات. ومع اتساع استخدام هذه المنصات، صار من الضروري فهم الكيفية التي قد تؤثر بها آليات “التوصية” في أنماط التفكير والسلوك، وكيف يمكن أن تتحول من أداة تواصل إلى قوة تُعيد هندسة المجال العام بما يخدم مصالح تجارية.

تشير أبحاث منشورة إلى أن أنظمة التوصية تعتمد – في كثير من الحالات – على نماذج تقييم مبنية على مؤشرات التفاعل مثل النقر، الإعجاب، التعليق، المشاركة، والاحتفاظ بالمحتوى لفترة أطول. وبدل أن تُظهر المنصة محتوى متنوعًا يراعي جودة النقاش، قد تُفضّل ما يثير الانفعال بشكل أسرع، لأن المحتوى الاستفزازي يميل إلى إنتاج تفاعل أعلى، خصوصًا عندما يرتبط بالغضب والتهديد للهوية وبالاستقطاب. وبهذا تُبنى الحلقة نفسها: كلما زاد الانفعال، زاد التفاعل، فترتفع فرصة استمرار عرض المحتوى المماثل، ما يخلق بيئة رقمية أكثر حدة واحتقانًا.

## الآليات النفسية والاقتصادية

يقوم نموذج عمل كثير من شركات التقنية على تحويل انتباه المستخدم إلى قيمة تُباع للمعلنين. ولتوسيع هذه القيمة، تُراقب الخوارزميات السلوكيات الدقيقة للمستخدمين وتستفيد من أنماط يمكن التنبؤ بها نفسيًا: فالأخبار المثيرة للغضب، أو التي تحمل اتهامًا مباشرًا، أو التي تستدعي شعور التهديد للهوية، تُولِّد غالبًا استجابة أسرع من المحتوى الهادئ. ومع تراكم البيانات عن تفضيلات المستخدم، يصبح من السهل استهدافه بمحتوى “يُمس” نقاط ضعفه المعرفية والعاطفية، بدل تقديم معلومات متوازنة أو سياق كافٍ.

في هذا السياق، لا تكون المشكلة مجرد خلل برمجي عابر؛ بل قد تتحول إلى تصميم مقصود أو شبه مقصود يوازن بين تعظيم الأرباح وتقليل المخاطر السمعةية، ما يؤدي عمليًا إلى تضخيم المحتوى السام أو الاستقطابي. ونتيجة ذلك، تتشكل آثار اجتماعية تشمل:

– **زيادة الاستقطاب** عبر حصر المستخدم في سرديات متشابهة تدعم معتقداته بدل تحديها بمعلومات متوازنة.
– **تضخم التطرف اللفظي** لأن الغضب يولد تفاعلًا أسرع من النقاش الهادئ.
– **تآكل الثقة** حين يُقدَّم محتوى مضلل أو مُقتطع من سياقه بوصفه “حقيقة” أو “تحديثًا عاجلًا”.
– **التأثير على الصحة النفسية** عبر رفع مستوى التوتر المزمن وتحويل منصة التواصل إلى مصدر مستمر للتحفيز السلبي.

## لماذا تعتمد الخوارزميات على “مؤشرات الانفعال”؟

رغم أن الخوارزميات لا “تفهم” النوايا السياسية أو الأخلاقية كما يفعل البشر، إلا أنها تتعلم أنماطًا من البيانات تربط بين سلوك المستخدم ونوع المحتوى. فإذا كان المحتوى الذي يُشعل الغضب يُنتج تعليقًا سريعًا أو مشاركة متكررة أو مشاهدة مطولة، فإن النظام يتعامل معه كإشارة نجاح. ومع الوقت، قد تُصبح المنصة – دون نية واعية من القائمين – مولِّدًا لدوائر تكرار: المحتوى الأكثر إثارة يكتسب مساحة أكبر، والمستخدم يزداد انغماسًا في نفس النمط.

## خطوات عملية نحو بيئة رقمية أكثر أمانًا

لمواجهة هذه الديناميكيات، يتجه الاهتمام إلى حلول متعددة المستويات: تقنية، تنظيمية، وتربوية.

### 1) تطوير خوارزميات توصية أكثر توازنًا
يعمل باحثون في مجال علوم البيانات على اختبار نماذج بديلة لا تكتفي بمعدل التفاعل وحده. من هذه المقاربات:

– **إضافة معايير جودة المحتوى** مثل موثوقية المصدر، وجودة السياق، وتقليل المحتوى المُتحيز أو المُضلل.
– **تقييد الانتشار** لبعض الفئات عالية الخطورة مثل المحتوى الذي يعتمد على إثارة الغضب دون دليل أو الذي يحرض على التنمر والكراهية.
– **تحسين التمثيل المعرفي** عبر السماح بخيارات تعرض للمستخدم زوايا متعددة بدلًا من حصره في “فقاعة” واحدة.

وتشير نتائج مبكرة من بعض الأبحاث إلى أن تقليل المحتوى شديد الاستقطاب قد ينعكس على مستوى الرضا العام ويخفف حدة النقاشات.

### 2) أدوات مساعدة للمستخدمين
لا يكفي الحل التقني وحده؛ لذلك ظهرت حلول تركز على تمكين المستخدم، مثل:

– ملصقات توضيحية للمصادر والتحقق من الحقائق.
– تنبيهات حول إعادة النشر أو تكرار المحتوى.
– تقليل التعرض للمحتوى المتكرر عالي الانفعال.

### 3) تدخلات تعليمية للشباب والمراهقين
تتزايد الحاجة إلى برامج تدريبية مبكرة، لأن الفئة الأصغر سنًا أكثر قابلية للتأثر بسرديات تُقدَّم على أنها “حقيقية” أو “منقذة”. يمكن بناء برامج تشمل:

– **تعليم مهارات تقييم المصادر**: من الذي نشر؟ ما الأدلة؟ هل توجد تغطية مستقلة؟
– **بناء مقاومة معرفية** ضد أساليب التزييف العميق والخداع الإعلامي.
– **محاكاة رقمية** لاختبار سيناريوهات التلاعب وكيفية اكتشاف الانحرافات المنهجية (مثل اقتطاع الجمل، أو العناوين المضللة، أو الاستدلال العاطفي).

## نحو ديمقراطية تواصلية بدل الاستقطاب المدمر

إن جوهر المشكلة ليس “التواصل” ذاته، بل طريقة الإدارة الخوارزمية للمحتوى وما تفضله من مؤشرات. حين تُصمَّم المنصات لتكافئ الغضب على حساب الدقة والتوازن، تصبح مساحة النقاش ساحة تصعيد لا ساحة تفاهم. لذلك فإن التحول نحو بيئة رقمية آمنة يتطلب تعاونًا بين علوم البيانات وصحافة الاستقصاء وعلم النفس والتنظيمات الرقابية، بهدف بناء أنظمة تحمي المستخدم من التلاعب وتعيد الاعتبار لمعايير الحوار الصحي.

في النهاية، يمكن لبرمجيات التوصية أن تكون أداة لتوسيع المعرفة بدل تضييقها، وأن تُستخدم لرفع جودة النقاش العام بدل تعظيم الانفعال. الطريق يبدأ بفهم “الخوارزمية” كمنظومة تأثير، ثم يمر بتطوير حلول تقلل الضرر وتزيد الوعي وتدعم قرارات أكثر مسؤولية من الأفراد والمؤسسات.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *