تمكن علماء الفلك أخيرًا من رصد كوكب خارجي بالغ الخفـاء كان مختبئًا حول نجم بيتا بيكتوريس (Beta Pictoris) لسنوات طويلة. ويُعرف هذا الكوكب باسم “بيتا بيكتوريس د” (Beta Pictoris d)، وهو كوكب غازي عملاق يبعد نحو 63 سنة ضوئية عن الأرض، وقد كشفت الملاحظات الجديدة أنه يدور ضمن نظام نجمي معروف مسبقًا بوجود كوكبين شقيقين رُصدا سابقًا: بيتا بيكتوريس ب وبيتا بيكتوريس ج.
ما يجعل “بيتا بيكتوريس د” حالة استثنائية هو مدى صِغَر تأثيره على مشاهدات الأرض مقارنةً ببقية كواكب النظام. فبينما كان الكوكب “ب” هو الأول الذي تم اكتشافه في هذا النظام، فإن “د” يُعد من أخف الكواكب الخارجية التي تم تصويرها مباشرةً باستخدام تلسكوب أرضي حتى الآن. ويعزى هذا التعقيد إلى أن الكوكب يبدو أضعف بكثير من أقرانه، وأن موقعه النسبي ومساره يجعلان إضاءته المنعكسة/المصدرة أقل وضوحًا في صور الرصد مقارنةً بالكواكب الأخرى.
تفاصيل الكوكب المكتشف حديثًا
يُصنَّف بيتا بيكتوريس د ككوكب غازي عملاق، إلا أنه يختلف عن الكوكبين الآخرين في عامل حاسم: فهو يقع على مسافة أكبر بكثير من نجمه الأم. ونتيجةً لذلك، تكون درجات حرارته أقل نسبيًا، ما يعني أنه أقل إشراقًا في النطاقات التي تساعد أدوات الرصد على التقاطه.
كما تشير النتائج إلى أن الكوكب “د” أصغر حجمًا من الكوكب الذي تم رصده سابقًا داخل النظام. أما من ناحية الكتلة، فتقدَّر كتلة كل من بيتا بيكتوريس ب وبيتا بيكتوريس ج بحوالي عشرة أضعاف كتلة كوكب المشتري، بينما تبلغ كتلة بيتا بيكتوريس د نحو 2.4 ضعف كتلة المشتري. وتُرجِّح هذه المعطيات أن الكوكب الجديد يشكل واحدًا من أخف الكواكب الخارجية التي أمكن تصويرها مباشرة من الأرض، وهو ما كان تحديًا كبيرًا للفرق العلمية.
كيف ساعد الاكتشاف في حل لغز قرص الغبار والحطام؟
يساهم رصد بيتا بيكتوريس د في تفسير “لغز” طالما ارتبط بنظام بيتا بيكتوريس، يتعلق بقرص من الغبار والحطام. يُعتقد أن هذا القرص يمثل بقايا عمليات تكوين الكواكب، أو ناتجًا عن اصطدامات متكررة بين أجسام كوكبية صغيرة تتحول مع الزمن إلى غبار وجزيئات بقايا.
وقد لاحظ الباحثون أن قرص الحطام يُظهر شكلًا غير مألوف وموقعًا دقيقًا داخل النظام، وهو نمط قد يكون صعب التفسير دون وجود كوكب ذي كتلة وموقع مناسبين قادرين على “نحت” القرص أو دفع مكوناته على نحو يعكس تأثير الجاذبية. وبما أن بيتا بيكتوريس د يمتلك الكتلة والمسافة الملائمتين من النجم، فقد يصبح هو العامل الذي يفسر التفاصيل الدقيقة في شكل القرص ومكانه، بما ينسجم مع السيناريوهات التي تربط بين ديناميكية الكواكب الوليدة وخصائص الأقراص المحيطة بالنجوم.
أهمية الاكتشاف علميًا
لا يقتصر معنى اكتشاف بيتا بيكتوريس د على إضافة كوكب جديد إلى قائمة كواكب هذا النظام، بل يعزز قدرتنا على فهم “كيف تتشكل” الكواكب وكيف تؤثر على البيئة المحيطة بها. فكل كوكب في أنظمة من هذا النوع يُعد قطعة في أحجية أكبر: تفسير توزيع الحطام، وفهم تفاعلات الجاذبية بين الكواكب، وتحديد ما إذا كانت الأقراص المحيطة هي بقايا من مراحل تكوين الكواكب أو نتيجة نشاط حديث نسبيًا.
وبحسب تصريح إحدى أعضاء الفريق العلمي، فإن الأمر يشبه لعبة الاختباء: كان الكوكب موجودًا منذ زمن، لكن التقنية والرؤية المتاحة حديثًا فقط سمحت بإثباته بشكل واضح. ومن المتوقع أن تفتح هذه النتيجة الباب لمزيد من الدراسات التفصيلية حول خصائص الغلاف الجوي للكوكب، وقياس أثره على قرص الغبار، وربما البحث عن كواكب أخرى خفية داخل النظام نفسه.
في النهاية، يمثل اكتشاف بيتا بيكتوريس د خطوة مهمة نحو كشف تركيب أنظمة النجوم الغنية بالكواكب والغبار، ويقدم مثالًا حيًا على كيف يمكن لصور الرصد المباشر—حتى عندما تكون أصعب الحالات—أن تحل ألغازًا كانت تربك الباحثين حول المراحل الديناميكية لتكوين الكواكب وتطورها.

التعليقات