أكد الدكتور يوسف بطرس غالي، وزير المالية الأسبق، أن دور الدولة في الاقتصاد ينبغي أن يتركّز في القطاعات ذات الارتباط المباشر بالأمن القومي والمصالح الاستراتيجية، بينما يتولى القطاع الخاص قيادة النشاط الإنتاجي. وأوضح أن كثيرًا من دول العالم حسمت هذا التوجه منذ سنوات طويلة، لما يتيحه من كفاءة أعلى في الإنتاج وجاذبية أكبر للاستثمار.
توجه عالمي لفكرة تخارج الدولة من الإنتاج
وأوضح بطرس غالي، خلال ظهوره في بودكاست “موعد مع لميس” الذي تقدمه الإعلامية لميس الحديدي، أن النقاش حول تخارج الدولة من الأنشطة الاقتصادية ليس جديدًا، إذ يمتد لقرابة ثلاثة عقود. ورأى أن الدروس المستخلصة من التجارب الدولية تشير إلى أن الدولة ليست الطرف الأكثر ملاءمة لإدارة وتشغيل الأنشطة الإنتاجية بصورة يومية، خاصة عندما تكون المنافسة والمرونة وسرعة اتخاذ القرار عوامل حاسمة لنجاح الشركات.
الدفاع والأمن القومي الاستثناء الأبرز
وأشار الوزير الأسبق إلى أن الاستثناء الوحيد الذي يُفضّل أن تبقى الدولة مسؤولة عنه هو الصناعات الدفاعية المرتبطة بالأمن القومي. فهذه المجالات تحتاج إلى اعتبارات تتصل بالسيادة الوطنية، وأطر التخطيط الطويلة، ومتطلبات السرية والتأمين الاستراتيجي. وفي المقابل، شدد على أن بقية القطاعات يمكن أن تتحول الدولة فيها إلى دور داعم ومحفز للقطاع الخاص، عبر المشاركة بحصص محدودة عند الضرورة، أو توفير البنية الأساسية التي تُسهّل على المستثمرين دخول السوق والتوسع.
كيف تسهم الدولة دون إدارة الإنتاج؟
ولتعزيز فرص الاستثمار وخلق بيئة أعمال مستقرة، يمكن للدولة أن تضطلع بأدوار مساندة في القطاعات التي تتطلب تأسيس بنية تحتية أو بناء قاعدة صناعية قوية. ومن أمثلة ذلك تطوير شبكات النقل والطاقة والاتصالات، وتحسين كفاءة الخدمات اللوجستية، وتسهيل إجراءات الترخيص، وتوفير الحوافز المرتبطة بالتوطين ونقل التكنولوجيا. لكن بطرس غالي يؤكد في الوقت نفسه أن إدارة العملية الإنتاجية نفسها ينبغي أن تكون بيد القطاع الخاص، لما يتمتع به من خبرة تشغيلية وقدرة على الابتكار وتطوير المنتجات وتحقيق نتائج أفضل على المدى المتوسط والطويل.
منع الاحتكار لا يكون عبر التوسع العام
وبخصوص القلق من أن يؤدي اتساع نشاط القطاع الخاص إلى سيطرة احتكارية على الأسواق، أكد بطرس غالي أن العلاج لا يكمن في توسيع دور الدولة في الإنتاج. الحل الحقيقي يتمثل في تعزيز المنظومة الرقابية ووضع ضوابط صارمة تضمن المنافسة العادلة، وتراقب جودة المنتجات، وتمنع الممارسات التي تخل بتوازن السوق. واعتبر أن الدول المتقدمة اعتمدت مثل هذا المسار عبر هيئات رقابية مستقلة، وقوانين منافسة فعّالة، وآليات لحماية المستهلك.
تركيز على التنظيم والرقابة لتحقيق نمو شامل
وفي ختام حديثه، شدد الدكتور يوسف بطرس غالي على أن التحول نحو اقتصاد تقوده استثمارات القطاع الخاص، مع بقاء الدولة في دورها التنظيمي والرقابي، هو توجه أثبتته تجارب دول عديدة عبر الزمن. وأوضح أن هذا النموذج لا يقلل أهمية الدولة، بل يعيد تعريفها: من منتِج مباشر إلى مُنظّم لحركة السوق وحامٍ لقواعد المنافسة، بما يتيح للقطاع الخاص قيادة الاقتصاد ورفع مستويات الإنتاجية وتوسيع فرص العمل.
ويعني ذلك عمليا أن تُبنى الشراكات على أسس واضحة، وأن تُترك إدارة المشروعات وتشغيلها لشركات تمتلك الكفاءة والقدرة على التطوير، بينما تتولى الدولة ضمان الاستدامة والعدالة التنظيمية وتوفير متطلبات الاستثمار، خصوصًا في المجالات الاستراتيجية المرتبطة بالأمن القومي والبنية التحتية.

التعليقات