أكد الدكتور يوسف بطرس غالي، وزير المالية الأسبق، أنه ما زال ينظر إلى نفسه بوصفه «ميكانيكي اقتصاد»، لافتًا إلى أن طبيعة تفكيره التي تعتمد على تحليل المشكلات وتفكيكها إلى عناصر قابلة للحل والبحث عن مخارج عملية لم تتغير حتى بعد انتقاله للعمل في القطاع الخاص.
وخلال استضافته في بودكاست «موعد مع لميس»، أوضح غالي أن من يُولد بعقلية «الميكانيكي» يظل متأثرًا بهذا الأسلوب طوال حياته، لأنه يميل إلى فهم كيفية عمل الأشياء داخل منظوماتها، ثم محاولة إصلاحها أو تطويرها أو تغيير طريقة تشغيلها إذا لزم الأمر. وأضاف في تعليق مازح أنه أصبح «ميكانيكيًا شيكًا وأغلى» بعد انتقاله إلى القطاع الخاص، في إشارة إلى اختلاف البيئة المهنية وتكاليفها وفرصها مقارنة بالقطاع العام.
وفيما يتعلق بمقارنة العمل الحكومي بالقطاع الخاص، شدد غالي على أنه لا يرى أفضلية مطلقة لأي منهما؛ فكل بيئة عمل تمتلك تحدياتها واعتباراتها وطبيعة المخاطر فيها. فالحكومة تعمل عادة ضمن أطر تنظيمية وقواعد وموازنات وتوجهات سياسات عامة، بينما يتحرك القطاع الخاص في سياق منافسة وتجربة وسرعة استجابة للسوق وتبدّل احتياجات العملاء. لذلك، يذهب غالي إلى أن الحكم على أي من الجانبين بأنه «أفضل» أو «أسوأ» قد لا يكون دقيقًا ما لم ترتبط المقارنة بأهداف محددة ومعايير واضحة.
وأبرز غالي جانبًا يراه فارقًا جوهريًا بين الطرفين، وهو أن القطاع الخاص غالبًا ما يحقق عائدًا ماديًا أكبر، بينما تمنح الوظيفة الحكومية مساحة من السلطة والصلاحيات المرتبطة بصنع القرار وتنفيذ السياسات. غير أنه شدد على أن الأهم لا يكمن في امتلاك السلطة بحد ذاتها، بل في طريقة توظيفها: هل تُستخدم لتحقيق مكاسب سريعة وشهرة مؤقتة، أم تُترجم إلى قرارات وإصلاحات قابلة للاستمرار وتترك أثرًا ملموسًا بعد انتهاء فترة المسؤول في منصبه.
ولإثراء هذه الرؤية، يمكن فهم «عقلية الميكانيكي» التي تحدث عنها غالي باعتبارها منهجًا في التعامل مع الاقتصاد: تفكيك الأزمات إلى أسبابها، وقياس أثر كل إجراء، ثم اختيار الحل الأنسب وفقًا للبيانات والواقع. كما أن انتقاله للقطاع الخاص لا يعني التخلي عن هذا المنهج، بل قد يتيح له تطبيقه بأدوات مختلفة مثل إدارة المخاطر، وتحليل الجدوى، ومتابعة النتائج بصورة أدق وفق مؤشرات أداء مرتبطة بالنمو والربحية.
وبالقدر نفسه، فإن الحديث عن السلطة في القطاع الحكومي يمكن ربطه بمسؤولية أكبر تجاه السياسات العامة: فنجاح القرار ليس فقط في لحظة اتخاذه، بل في أثره على استقرار الاقتصاد واستمراريته عبر الزمن، بما يشمل تحسين الخدمات، وتعزيز بيئة الأعمال، وإدارة التوازن بين متطلبات النمو والعدالة والالتزامات المالية. ومن هنا تتضح فكرة غالي الأساسية: أن القيمة الحقيقية لأي وظيفة—حكومية كانت أو خاصة—تظهر في طريقة تحويل الموارد والصلاحيات إلى نتائج، لا في المسميات وحدها.

التعليقات