لم يكن فصل الكاتب المستقل بن تواتى من عمله لدى شركة الميديا سوى بداية أزمة أكبر، إذ استمرت مقالات جديدة في الظهور باسمه حتى بعد أيام قليلة من مغادرته، قبل أن يتضح لاحقًا أن المحتوى لم يُكتب عبر جهده، بل بواسطة برنامج ذكاء اصطناعي. وبحسب ما رواه تواتى، فإن هذه المقالات جاءت بجودة أقل بكثير من المعايير التحريرية التي كان يلتزم بها خلال فترة عمله، وهو ما أثار جدلًا حول ممارسات بعض دور النشر الإلكترونية التي تعتمد التوليد الآلي للمحتوى.
شركة تفصل صحفيًا ثم تنشر مقالات AI باسمه
يرى تواتى أن ما حدث يشكل إساءة مباشرة لاستخدام اسمه كمحرر أو كاتب، ووصف الواقعة لصحيفة “برس غازيت” بأنها “صفعة على الوجه”. وأكد أن ظهور المقالات الجديدة بدأ بعد أيام قليلة من فصله من فرع الشركة في ألمانيا. وأضاف أن المقالات التي ظهرَت بالاسم لم تكن سوى نصوص تُنتج بسرعة دون تدقيق حقيقي، قائلاً إنّها كانت “كسولة” و”رديئة”، وأشار أيضًا إلى عدم وجود شخص فعلي وراءها.
وبحسب وصفه، فإن إشكاليتَه لم تكن مرتبطة فقط بجودة المحتوى، بل أيضًا بنسب العمل إليه دون علمه أو مشاركته، وهو أمر يثير أسئلة حول حدود استخدام العلامات الاسمية أو الهوية التحريرية داخل بيئات النشر التي تعتمد على أدوات التوليد الآلي.
دفاع الشركة: ذكاء اصطناعي مع تدقيق بشري
من جهتها، لم تقدم الشركة تفسيرًا واضحًا لكيفية استخدام اسم موظف سابق على محتوى أنتجته أنظمة ذكاء اصطناعي. وجاء في بيانها – وفقًا لـ “برس غازيت” – أنها “تستخدم المحتوى المدعوم بالذكاء الاصطناعي عند الاقتضاء، بالتزامن مع عمليات التدقيق والتحرير البشرى”، مع التأكيد على أنها تعمل على “تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي لزيادة دقتها وتحسين عمليات التحرير البشرى لديها”.
وتؤكد هذه الصياغات، كما يوضح المدافعون عن حقوق الكتاب، أن المشكلة لا تتعلق بوجود الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل بمدى شفافية استخدامه، ومَن يتحمل المسؤولية التحريرية، وهل يتم حفظ حقوق الأفراد عند نسب المحتوى إليهم.
سياق أوسع: جدل حول أساليب دور النشر الإلكترونية
تأتي هذه القضية ضمن نمط متكرر شهدته شركات نشر إلكتروني تعتمد على الإنتاج السريع للمحتوى. ففي وقت سابق من العام، أصبحت الشركة محور نقاش واسع بعد كشف أن مقالة منشورة على أحد مواقعها كُتبت بواسطة “صحفي مزيف” يعمل بالذكاء الاصطناعي. ولم تكن تلك الواقعة الوحيدة؛ إذ ذُكر أن الشركة نشرت محتوى ضعيفًا على مواقع أخرى، كما استخدمت صورًا شخصية مُولدة بالذكاء الاصطناعي مرتبطة بمزاعم تتعلق بكتاب مزيفين.
هذا النوع من الممارسات—حتى لو ادّعت الشركة وجود “تحرير بشري”—قد يقود إلى تضليل القارئ، وتشويه سمعة الكتّاب الحقيقيين، وخلق بيئة مهنية تُقاس فيها الجودة بسرعة الإنتاج لا بمهنية البحث والتوثيق.
ضغوط داخل العمل وتطبيع فكرة “إنتاج المقالات آليًا”
وفقًا لتواتى، بدأ عمله لدى الشركة في أوائل 2024، وكان ينتقل بين مواقعها المختلفة بحسب احتياجات الإدارة. وأوضح أنه واجه ضغوطًا متكررة للاعتماد على الذكاء الاصطناعي في كتابة المقالات بدلًا من الجهد التحريري الكامل. كما نقل أن مديريه كانوا يكررون أن “يكاد يكون من المستحيل الاستغناء عن الذكاء الاصطناعي هذه الأيام”.
وزاد الأمر تعقيدًا حين عرضت الشركة على الموظفين مقطع فيديو يشرح طريقة إنشاء مقالات بالذكاء الاصطناعي ثم “إضفاء طابع إنساني عليها”. وأشار تواتى إلى موقف لافت في هذا السياق: “لقد تركت الفيديو يعمل ولم أنتبه إليه”، في إشارة إلى أن العملية كانت تُدار بطريقة آلية لا تتطلب فهمًا عميقًا للمادة ولا تدقيقًا فعليًا.
اللجوء إلى القضاء وحذف الاسم من المقالات
في أوائل 2026، أبلغ مديرو الشركة تواتى أنهم استغنوا عن عدد من العاملين المستقلين بحجة عدم كفاية العمل، بعد أن رفع الجميع إنتاجيتهم باستخدام الذكاء الاصطناعي. وفي وقت لاحق، قيل له إنه سيتم فصله بعد حذف موقع Google لصفحات “Esports Insider” من الفهرس.
وعند أواخر مايو، اكتشف تواتى أن الموقع ما زال ينشر مقالات باسمه رغم فصله. وبناءً على ذلك، لجأ إلى اللائحة العامة لحماية البيانات في الاتحاد الأوروبي (GDPR) ورفع دعوى ضد الشركة بتهمة إساءة استخدام معلوماته الشخصية ونسب محتوى إليه دون موافقة. ووفقًا لما ورد، دفعت هذه الإجراءات الموقع لاحقًا إلى إزالة اسمه من المقالات، لتبدأ بعدها إعادة نشرها باسم كاتب آخر.
ما الذي تكشفه القضية؟
تعكس هذه الواقعة تصادمًا بين نماذج الإنتاج السريع للمحتوى وبين حقوق الأفراد ومسؤوليات النشر. فحين يُستخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد نصوص، يصبح السؤال المركزي: من يملك الحق في نسب المقالات إلى شخص بعينه؟ ومن يتحمل مسؤولية الجودة والتحقق؟ وهل يتم احترام الشفافية في ذكر دور الأدوات الآلية؟
حتى بعد تأكيد الشركة أنها تجمع بين دعم الذكاء الاصطناعي “والتدقيق والتحرير البشري”، فإن استمرار ظهور أعمال بالاسم بعد الفصل—بحسب رواية تواتى—يظل نقطة خلاف جوهرية، خاصة إذا لم يكن هناك مشاركة حقيقية أو مراجعة على مستوى الكاتب المنسوب إليه النص.
وتظل القضية بمثابة تحذير لدور النشر الرقمية: الاعتماد على أدوات التوليد لا يعفي من الالتزام بالحقوق المهنية والخصوصية، ولا يبرر نسبة عمل غير منجز فعليًا إلى شخص دون إذنه أو علمه.

التعليقات