أكد أستاذ الاقتصاد الدولي د. كريم العمدة أن روافد النقد الأجنبي في مصر، وخاصة تحويلات المصريين بالخارج، يمكن أن تتجاوز من حيث القيمة إيرادات قطاعات استراتيجية مثل السياحة، وأيضًا عائدات قناة السويس، لافتًا إلى أن دور هذه التحويلات كان واضحًا خلال فترات الأزمات الاقتصادية، حيث ساهمت في دعم الاقتصاد المصري في بعض السنوات.
وأوضح العمدة خلال مداخلة تليفزيونية عبر برنامج “صباح الخير يا مصر” على القناة المصرية، أن تحويلات المصريين بالخارج أصبحت تسجل—كل عام—أرقامًا قياسية جديدة بالمقارنة بالعام السابق، وهو ما يعكس استمرار تحسن التدفقات الخارجية المرتبطة بالعمالة المصرية بالخارج.
وأشار إلى أن مصر كانت تمر بتحديات اقتصادية خلال عامي 2023 و2022، ومع اتخاذ خطوات متعلقة بتوحيد سعر الصرف والقضاء على السوق السوداء في مارس 2024، لوحظ تحسن ملموس في تحويلات المصريين بالخارج. واعتبر أن جزءًا من هذا التحسن جاء نتيجة توجه نسبة أكبر من العاملين للخيار الرسمي عبر القنوات المعتمدة والبنوك، ما انعكس على زيادة التدفقات الداخلة من الخارج، وبالتالي دعم الاحتياطي النقدي، كما ساهم ذلك في تحسن موقف سعر صرف الجنيه أمام الدولار.
ومن زاوية أخرى، أوضح أستاذ الاقتصاد الدولي أن أسباب نمو التحويلات لا تقتصر على “التحويل لأغراض الاستهلاك” فقط، بل إن جزءًا معتبرًا من الأموال كان يتجه إلى دعم ذويهم داخل مصر، بينما توجه أجزاء أخرى إلى الاستثمار مثل شراء عقارات داخل البلاد أو إنشاء ودائع دولارية، وهو ما يمنح الاقتصاد شكلًا أكثر تنوعًا من حيث استخدامات هذه التدفقات.
كما أرجع العمدة الزيادة التي شهدتها تحويلات المصريين بالخارج خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من مارس إلى يونيو إلى أن نحو 50% من المصريين العاملين بالخارج يقيمون في دول الخليج. وأكد أن الحرب والتوترات في المنطقة قد دفعت بعض العاملين إلى تحويل مدخراتهم إلى مصر خلال فترة القلق وعدم الاستقرار، ما قد يكون أحد العوامل التي ساهمت في الارتفاع الكبير خلال تلك الفترة.
ولتعزيز فهم الصورة الاقتصادية، فإن ارتفاع التحويلات عادةً يرتبط بعدة عوامل مترابطة، منها سهولة تحويل الأموال عبر الأنظمة الرسمية، وتحسن الثقة في سعر الصرف، وتزايد قدرة الأسر في الداخل على الاستفادة من العمل بالخارج، إضافة إلى تغيرات الظروف الإقليمية التي قد تدفع لتحويل المدخرات في أوقات توتر. وعندما تتزامن هذه العوامل مع إجراءات تنظيمية تقلل الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والموازي، تميل التحويلات إلى الزيادة لأن التعاملات تتحول أكثر نحو القنوات الرسمية.
وبالتالي، فإن استمرار صعود تحويلات المصريين بالخارج لا يعكس فقط حجم تحويلات المغتربين، بل يشير أيضًا إلى تحسن البيئة الاقتصادية والمالية تدريجيًا، وإلى دور هذه التحويلات كرافد مستمر للنقد الأجنبي يدعم استقرار الاقتصاد المصري ويعزز قدرة الدولة على مواجهة التحديات الخارجية، خاصة خلال فترات التذبذب أو الأزمات.

التعليقات