التخطي إلى المحتوى

كشف اللواء وليد السيسي، مساعد وزير الداخلية ووكيل الإدارة العامة لمكافحة المخدرات الأسبق، تفاصيل واحدة من أكثر القضايا الإنسانية والأمنية إيلامًا في تاريخ العمل الشرطي، والمتداولة إعلاميًا باسم «عمدة البساتين». وخلال ظهوره في برنامج «كل الكلام» مع الإعلامي عمرو حافظ على قناة «الشمس»، أكد السيسي أن ضابط المباحث يواجه يوميًا وقائع صادمة، قد تتشابه ظاهريًا مع الجرائم الكبرى، لكنها في جوهرها قد تحمل خلفيات خفية مثل الكيد والخيانة وتلفيق الأدلة.

وأوضح اللواء وليد السيسي أن طبيعة العمل الأمني تجعل اختبار ذكاء الضابط وضميره لا يرتبط فقط بمتابعة البلاغات، بل بقدرة الجهاز على قراءة ما وراء الوقائع: كيف تُصنع الاتهامات؟ ومن المستفيد من سقوط شخص بعينه؟ وكيف تُستخدم المواد المخدرة أو المتفجرات كورقة لتوجيه ضربة معنوية وجنائية في آن واحد؟ وأضاف أن الفرق في التحريات يكمن في الدقة؛ لأن الخطأ في مثل هذه القضايا لا يضر المتهم المظلوم فحسب، بل يضعف ثقة المجتمع في العدالة.

وبخصوص «قضية عمدة البساتين»، سرد السيسي المأساة التي تعرض لها المجني عليه، وهو العمدة الراحل، بعد أن دخلت الخيانة إلى تفاصيل منزلٍ كان يفترض أن يكون ملاذًا. وذكر أن زوجة المجني عليه اتفقت مع شخص آخر «العشيق» على التخلص منه وإزاحته من حياته وحياة الأسرة، ليس بالطعن أو القتل المباشر، بل عبر حيلة كبرى تقوم على اتهامه بالاتجار في المخدرات وحيازة متفجرات.

وبيّن اللواء السيسي أن الزوجة قامت بوضع كمية من الهيروين فوق سطح المنزل، كما وُضع سلك ديناميت أسفل السلم، ثم توجهت للإبلاغ رسميًا باتهام العمدة بجرائم الاتجار في المخدرات والأسلحة. ورغم أن ظاهر الواقعة يوحي بوجود دليل قاطع، إلا أن التحريات الدقيقة كشفت أن «المواد دُسّت» بهدف النيل من الرجل ولفبركة قضية تمس سمعته وتؤدي إلى عزله وحرمانه من حريته.

وأشار اللواء السيسي إلى أن إجراءات الأمن نجحت في تفكيك الخطة، وأن التهمة كانت فجة ومقصودة، حيث تبيّن أن المخدرات والديناميت لم تكن بحوزة العمدة أو ضمن نشاطه، وإنما كانت جزءًا من سيناريو مدبر لإدانته. وبذلك كان العمدة قادرًا على الإفلات من نتائج الاتهام، لكنه لم يخرج من التجربة دون خسارة.

ورغم أن العدالة حالت دون مصيره بالسجن أو حبل المشنقة بفضل يقظة الأمن، لفت السيسي إلى أن القضية انتهت بموت المجني عليه بنهاية مختلفة وأشد قسوة؛ إذ حمله الصدمة المعنوية إلى حد الانهيار. وفي سياق الرسالة التي قالها اللواء السيسي، أوضح أنه—بحكم موقعه ومسؤوليته—كان عليه إيصال الحقيقة بالشكل الذي يضع النقاط على الحروف. وأضاف أنه عند خروج العمدة من مكتب التحقيقات، قال له جملة مفادها أن الزوجة هي من أبلغت وأنها من وضعت الهيروين والديناميت بالاتفاق مع الطرف الآخر.

ووفق رواية اللواء السيسي، استقبل العمدة هذه الكلمة بصدمة شديدة، ثم قضى نحبه ومات كمدًا وقهرًا بعد فترة وجيزة. وأكد أن هذا الندم ظل يلاحقه منذ سنوات؛ لأن الصدمة التي أدخلها في نفس الرجل كانت أكبر من أن يتحملها، رغم أن التهمة بُطلت وظلت البراءة ثابتة من الناحية القانونية.

كما وجّه السيسي رسالة للرأي العام، مؤكدًا أن المواطنين قد ينسفون عن رجل الشرطة صفة الإنسانية حين تتجهم تعابيره أو حين تظهر أمامهم قرارات التحقيق متقشفة أو حادة. ودعا إلى التماس العذر لرجال الشرطة والمباحث، مشيرًا إلى أن الضغوط التي يتعرض لها المحققون يوميًا لا تُقاس فقط بمتابعة القضايا، بل بطبيعة المشاهد التي تترك أثرًا نفسيًا: التعامل مع أبشع صور الغدر والخيانة التي تتغلغل في المجتمع.

وخلص اللواء وليد السيسي إلى أن الدرس الأهم من القضية هو ضرورة عدم الاكتفاء بالبلاغات أو بالمظاهر، وأن التحريات الدقيقة قادرة على كشف الكيد وتفكيك الاتهام الملفق، حتى لو كانت الخطة في ظاهرها محكمة. وفي الوقت نفسه، شدد على أن العدالة ليست فقط إنفاذ قانون، بل أيضًا مسؤولية أخلاقية تجاه حياة الناس وسمعتهم ومستقبلهم، لأن كلمة واحدة أو لحظة واحدة قد تغيّر مصير إنسان.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *