يحذر الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، من أن الإفراط في استخدام الهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي لم يعد مجرد سلوك يومي عابر، بل قد يتحول إلى نمط يؤثر مباشرة في التركيز وطريقة التفكير وجودة الحياة النفسية. ويؤكد أن كثيرين باتوا يجدون صعوبة حقيقية في الابتعاد عن الهاتف ولو لوقت قصير، ما يعكس درجة من التعلق قد تزداد مع الوقت.
## النوموفوبيا: القلق من فقدان الهاتف أو الابتعاد عنه
يشير هندي إلى اضطراب نفسي يُعرف باسم «النوموفوبيا»، وهو الخوف الشديد من عدم وجود الهاتف المحمول أو الشعور بعدم القدرة على الوصول إليه. ولفت إلى أن بعض الأشخاص أصبحوا يتصرفون وكأن الهاتف جزء أساسي من الأمان النفسي، فيحرصون باستمرار على معرفة نسبة شحنه، والتأكد من وجوده بجوارهم، ومتابعة إشعاراته دون توقف. هذا النوع من القلق قد ينعكس على المزاج والنوم والقدرة على الاسترخاء، خصوصًا عندما يتكرر الإحساس بأن الهاتف «لازم أن يكون قريبًا» حتى في المواقف التي لا تتطلب ذلك.
## الهروب الرقمي من ضغوط الحياة والوحدة والملل
كما يوضح الاستشاري انتشار ظاهرة أخرى تُسمى «الهروب الرقمي»، حيث يلجأ بعض الأشخاص إلى تصفح التطبيقات ومشاهدة الفيديوهات القصيرة أو التفاعل عبر السوشيال ميديا للهروب من مشاعر مزعجة مثل التوتر والضغط النفسي أو الشعور بالوحدة والملل. ومع الوقت، قد يتحول هذا الاستخدام إلى وسيلة للتسكين السريع للمشاعر بدل التعامل معها بشكل صحي.
ويشرح هندي أن ما كان يُعد طبيعيًا في الماضي، وهو القدرة على قضاء فترة دون استخدام الهاتف، بات صعبًا لدى شريحة من الناس. فبمجرد ظهور وقت فراغ أو صمت أو إحساس بعدم الراحة، يتم اللجوء للشاشة تلقائيًا كحل فوري، ما يقلل من فرص الانخراط في نشاطات بديلة مثل القراءة أو الرياضة أو التواصل المباشر.
## آثار سلبية محتملة على التركيز والتفكير واتخاذ القرار
بحسب هندي، فإن الاستخدام المكثف قد يؤدي إلى «إدمان رقمي» أو على الأقل نمط سلوكي يشبه الإدمان، ويصاحبه أحيانًا العزلة الاجتماعية وضعف التركيز وتراجع القدرة على التفكير المنظم واتخاذ القرار. كما يشير إلى أن بعض الدراسات ربطت بين الهروب من الواقع عبر الإنترنت وبين سلوكيات خطرة مثل الإفراط في ألعاب الفيديو والمراهنات الإلكترونية، إضافة إلى ضعف القدرة على تنظيم المشاعر وتحمل الإحباط.
ومن المهم أيضًا الانتباه إلى أن كثرة التبديل بين التطبيقات والإشعارات السريعة قد تضعف ما يُعرف بـ«التركيز العميق»، وتزيد من التشتيت، خصوصًا لدى الطلاب أو العاملين الذين يعتمدون على مهام تتطلب انتباها مستمرا.
## دراسة حول تأثير وجود الهاتف حتى دون استخدامه
يوضح الاستشاري أن دراسة مرتبطة بجامعة كاليفورنيا خلال عام 2026 أفادت بأن مجرد وجود الهاتف المحمول بجوار الشخص قد يؤثر في الوظائف المعرفية والقدرات الذهنية حتى دون استخدام فعلي، بسبب انشغال العقل الدائم بإمكانية ورود إشعار أو رسالة جديدة. هذا العامل قد يفسر لماذا يشعر البعض بالتوتر أو الشرود أثناء العمل والدراسة عندما يكون الهاتف قريبًا.
## كيف تقلل التعلق الرقمي وتحسن صحتك النفسية؟
يوجه الدكتور وليد هندي عدداً من النصائح العملية للتخفيف من آثار التعلق بالهاتف، ومنها:
– تنظيم ساعات استخدام الهاتف بدل تركه للاستخدام العشوائي طوال اليوم.
– تخصيص فترات محددة للابتعاد عن الشاشات، مثل «استراحة بدون هاتف» قبل النوم أو أثناء أوقات الدراسة.
– تقليل الإشعارات غير الضرورية، والاعتماد على فترات تفقد محدودة بدل الاستجابة المتكررة.
– عند الحاجة للتعلم أو التركيز، يفضّل ترك الهاتف بعيدًا عن متناول اليد أو في مكان آخر لتقليل التشتيت.
– استبدال الاستخدام عند وقت الفراغ بنشاطات بديلة تساعد على استعادة التوازن النفسي، مثل المشي، القراءة، التمارين الخفيفة، أو التواصل المباشر مع الأسرة والأصدقاء.
وفي النهاية، يؤكد هندي أن إعادة ضبط العلاقة مع الهاتف ليست رفاهية، بل خطوة داعمة للصحة النفسية واستعادة التركيز وتقليل خطر التحول إلى أنماط قلق وسلوكيات هروب رقمية. ومع الالتزام بالتدرج وتنظيم الاستخدام، يمكن خفض التوتر وتحسين جودة الحياة اليومية.

التعليقات