تؤكد الدكتورة إيمان أبو العلا، أخصائي التربية وتعديل السلوك، أن كثيرًا من الآباء والأمهات يخطئون عندما يضعون أطفالهم تحت بند “محتاج لتعديل سلوك” دون الرجوع لتقييم مختص. فبعض التصرفات قد تبدو مزعجة لكنها تكون طبيعية في مراحل نمو مختلفة، ولا يمكن الحكم عليها من خلال ملاحظة عابرة أو سلوك واحد فقط.
وتوضح أبو العلا أن التدخل المتخصص يصبح ضروريًا عندما يتحول السلوك إلى نمط متكرر بصورة ملحوظة، ويبدأ في التأثير سلبًا على الطفل نفسه أو على الوالدين أو على البيئة المحيطة به. فالمعيار الأهم ليس وجود سلوك غير مرغوب، بل “استمراره وتكراره” ومدى تأثيره.
ومن العلامات التي تستدعي التقييم: تكرار نوبات العناد أو المقاومة بشكل يومي أو على فترات متقاربة، وتكرار الشكاوى من المحيطين مثل الأقارب أو المدرسة أو الجيران، ووجود صراخ مستمر يصعب إيقافه، أو ظهور سلوك عدواني مثل الضرب أو الدفع أو الاعتداء اللفظي. كما تشير إلى أن تدهور العلاقات داخل المنزل—كزيادة التوتر ورفض القواعد بشكل دائم—قد يكون مؤشرًا على الحاجة لخطط إرشادية متخصصة.
وتلفت إلى نقطة مهمة وهي أن العناد وحده لا يعني بالضرورة وجود مشكلة سلوكية تحتاج إلى علاج؛ فقد يكون وسيلة لجذب الانتباه أو اختبار حدود الطفل ضمن سياق عمره. لكن المشكلة تبدأ عندما يتطور الأمر إلى نمط واضح يزداد مع الوقت، أو عندما يصبح السلوك سببًا في خسارة الطفل لفرصه الطبيعية داخل المدرسة أو المنزل، أو عندما يظهر تأثيره على صحته النفسية مثل زيادة القلق أو الانفعال.
وتؤكد أبو العلا كذلك أن التربية تتأثر بشكل كبير بما يفعله الوالدان يوميًا، خصوصًا مع تأثير وسائل التواصل الاجتماعي. فالأطفال يتعلمون أكثر من خلال الملاحظة والاقتداء بالأفعال، وليس فقط عبر سماع التعليمات. لذلك، بدل التركيز على “طلب تغيير” الطفل مباشرة، ينبغي أن يبدأ الأب والأم بمراجعة سلوكياتهم هم أولًا.
ومن الأمثلة الشائعة التي قد تُفاقم المشكلة: اعتقاد الوالدين أن الطفل سيرتبط بالقواعد إذا قيل له “اترك الهاتف”، بينما يرى والديه يستخدمانه باستمرار أمامه. في هذه الحالة، يصبح السلوك الذي يمارسه الطفل انعكاسًا لما يشاهده داخل المنزل، وغالبًا لن يستجيب للتعليمات طالما أن القدوة غير متسقة.
ولتعزيز فرص التحسن دون توتر، تنصح أبو العلا بضرورة اتباع أسس واضحة في التعامل، مثل تحديد قواعد بسيطة ومتسقة، والتعامل مع السلوك المزعج بخطة وليست بردود فعل متقطعة، مع تسجيل ملاحظات عن متى يحدث السلوك وكم يستمر وما الذي يسبقه أو يعقبه. هذا يساعد المختص على فهم “سبب السلوك” بدل الاكتفاء بتوصيفه.
كما توصي بعدم “تشخيص” الطفل من تلقاء نفسه أو بناء أحكام نهائية اعتمادًا على الانطباع العام، مؤكدة أن طلب استشارة مختص يساهم في اختيار التدخل الأنسب: هل المشكلة ترتبط بأسلوب التربية؟ أم بمرحلة نمو؟ أم بوجود ضغوط أو صعوبات تحتاج مساعدة إضافية؟
باختصار، متى يصبح تعديل السلوك خيارًا مطلوبًا؟ عندما يكون السلوك متكررًا، واضح الأثر، ويتسبب في مشكلات مستمرة للطفل أو للبيئة المحيطة. أما عند وجود سلوك عابر أو مرتبك بعمر الطفل، فقد تكون هناك حاجة لفهم السياق أولًا قبل إطلاق الأحكام.

التعليقات