التخطي إلى المحتوى

يرى المفكر السياسي الدكتور عبد المنعم سعيد أن أحداث 11 سبتمبر لم تكن مجرد هجمات إرهابية استهدفت الولايات المتحدة فحسب، بل تحولت إلى لحظة فاصلة أعادت رسم ملامح النظام الدولي، وخلقت سلسلة طويلة من التداعيات امتدت لاحقًا إلى السياسة والاقتصاد وطرائق فهم العالم.

ويشير سعيد إلى أن السياق الذي سبق 11 سبتمبر كان يحمل بالفعل مؤشرات لتغيرات عميقة. فقد شهد العالم انتقالًا من حقبة الحرب الباردة بعد انتهاء الاتحاد السوفيتي، بالتوازي مع الثورة الصناعية الثالثة وثورة المعلومات. ونتيجة ذلك، تزايد تدفق البيانات، وبرزت قدرات تنظيمية وتقنية جديدة، وأصبح العالم أكثر ارتباطًا وتداخلًا من أي وقت مضى، وهو ما مهّد لتغيرات أمنية وسياسية متسارعة.

ومن منظور سعيد، فإن أثر 11 سبتمبر لم يبقَ محصورًا في دائرة السياسة الأمريكية أو الأمن الدولي، بل انعكس تدريجيًا على مناطق متعددة، بما في ذلك المنطقة العربية. ويؤكد أن ما عُرف لاحقًا بالربيع العربي لم يأتِ من فراغ، بل جاء ضمن موجات أوسع من التحولات العالمية التي غذّتها ثورة الاتصالات والانفتاح وتغير المناخ الفكري والسياسي، فتصاعدت الاحتجاجات وتوسعت مساحات الفعل العام مع ارتفاع تأثير الإعلام الرقمي.

كما يلفت الدكتور عبد المنعم سعيد إلى أن جماعات متطرفة، من بينها جماعة الإخوان، استفادت بشكل ملحوظ من ثورة المعلومات والتكنولوجيا الحديثة. فهذه البيئة الجديدة وفرت أدوات فعالة للتواصل والتنظيم وبناء شبكات تتجاوز الحدود، وأتاحت إمكانات أعلى للتنسيق السريع، وتبادل الموارد، وتكوين علاقات مع كيانات مختلفة في دول متعددة.

وبحسب تحليله، لم تقتصر هذه الجماعات على الشعارات أو الأفكار، بل سعت إلى ترجمة تلك الأفكار إلى ممارسة سياسية وتنظيمية. وقد ساعدتها التكنولوجيا على تشكيل بنية شبكات علاقات واسعة بين الأعضاء، وتحويل النشاط إلى حالة مستمرة تتغذى من سرعة تبادل المعلومات وقدرة الوصول إلى جمهور متنوع.

ويرى سعيد أن جماعة الإخوان حاولت استثمار حالة الحراك السياسي بعد موجات التحولات العالمية، معتبرة أن الوصول إلى الحكم في مصر يمثل هدفًا استراتيجيًا. لكن في المقابل، يشير إلى أن ضعف فهم طبيعة التركيبة الاجتماعية والسياسية المصرية شكّل تحديًا مؤثرًا أمام مشروعها، الأمر الذي أدى إلى تصادمات مع واقع سياسي معقد ومتغير.

ويؤكد سعيد أن تداعيات 11 سبتمبر تجاوزت تغيير السياسات الدولية إلى إعادة تشكيل صورة العالم وطبيعة العلاقات بين الدول. ويشدّد على أهمية قراءة تجارب دول أخرى مثل الهند بعناية، لأن فهم التحولات التي شهدتها تلك البلدان يتطلب دراسة دقيقة لطبيعة التغيرات التي طرأت على النظام الدولي، خصوصًا في ظل تداخل العوامل الاقتصادية والأمنية والديموغرافية.

وفي السياق الأشمل، يوضح أن العقود الأخيرة شهدت تغيرات متسارعة في الاقتصاد والسياسة والمجتمع، بالتزامن مع زيادة متوسط أعمار السكان واتساع عدد سكان العالم، فضلًا عن اتساع نطاق العولمة. ويخلص إلى أن هذه التحولات مجتمعة—مع صدمة 11 سبتمبر وما تلاها من إعادة ترتيب للأولويات—ساهمت في إعادة تشكيل خريطة العلاقات الدولية وخلق مسارات جديدة للصراع والتنافس والاصطفاف.

وبذلك، تتضح الصورة—وفق رؤية الدكتور عبد المنعم سعيد—أن 11 سبتمبر لم تكن حدثًا منفصلًا، بل نقطة انطلاق لمرحلة تاريخية أعادت ترتيب قواعد التعامل الدولي، ودفعت نحو تحولات سياسية وأمنية وفكرية واقتصادية متداخلة، انعكست لاحقًا على المنطقة العربية وعلى أنماط التنظيم والصراع في الفضاء العام والإعلام الرقمي.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *