التخطي إلى المحتوى

تحدث الدكتور عبد المنعم سعيد، المفكر السياسي، عن الأثر العميق لأحداث 11 سبتمبر (2001) في إعادة تشكيل طريقة تعامل الولايات المتحدة مع العالم، موضحًا أن التداعيات لم تقتصر على الجانب الأمني المباشر، بل امتدت لتطال توجهات السياسة الخارجية وآليات صناعة القرار الأمريكية، وأثّرت كذلك في خطابها تجاه عدد من القضايا الدولية.

وأوضح سعيد أن التحولات الكبرى التي عرفها العالم خلال السنوات التالية للأحداث أسهمت في خلق مناخ سياسي وإعلامي أكثر توترًا، حيث ظهرت ردود فعل أكثر تطرفًا تجاه المهاجرين والمجتمعات المختلفة ثقافيًا ودينيًا، خصوصًا في أوروبا وأمريكا الشمالية. وأشار إلى أن هذا المناخ انعكس في تزايد الخطابات التي تربط بين الاختلاف الثقافي أو الديني وبين التهديدات الأمنية، بما أدى إلى تضييق المساحات العامة للحوار والتعايش.

وفي هذا السياق، شدد المفكر السياسي على فكرة مهمة: التناقضات الثقافية والفكرية والدينية لا تُعد بالضرورة سببًا للصراع بذاتها، وإنما تنشأ الخطورة عندما تتحول هذه الاختلافات إلى عنف أو حروب أو صراعات تمتد على الأراضي. وأضاف أن التاريخ لم يكن بمنأى عن تكرار هذا التحول؛ إذ شهد مراحل عديدة تحولت فيها الخلافات الفكرية والثقافية إلى مواجهات مباشرة، حين تتدخل عوامل أخرى مثل الاستقطاب السياسي والدعاية والقرارات الأمنية المتشددة.

كما أشار الدكتور عبد المنعم سعيد إلى أن بعض التصورات الغربية تجاه الشرق الأوسط والعالم العربي لم تظهر فجأة بعد 11 سبتمبر، بل ترتبط بجذور تاريخية أقدم؛ إذ ظهرت بصور مختلفة خلال فترات الاستعمار وما بعده. غير أن أدوات الهيمنة في العصر الحديث — بحسب حديثه — تطورت لتشمل التكنولوجيا ووسائل الاتصال ووسائط الإعلام، إلى جانب الأدوات التقليدية، بما يعيد إنتاج الصور النمطية ويؤثر في تشكيل الرأي العام وصناعة القناعات.

ولتعميق الفهم، يمكن القول إن ما بعد 11 سبتمبر شهد أيضًا إعادة تعريف لمفهوم الأمن عالميًا؛ فبدلًا من التركيز على التهديدات التقليدية فقط، توسع نطاق الاهتمام ليشمل ما يُصنَّف كتهديدات مرتبطة بالهويات والهجرات والانتماءات. وقد أدى ذلك إلى سياسات أكثر تشددًا في بعض الدول، وتراجعًا في الاهتمام ببناء سياسات اندماج شاملة، مقابل تصاعد في الإجراءات الرقابية والحدودية، وهو ما انعكس بدوره على حياة المهاجرين وساهم في اتساع فجوات الثقة بين المجتمعات.

في النهاية، يوضح طرح عبد المنعم سعيد أن القصة لا ترتبط بالأحداث وحدها، بل بما تلاها من تحولات في الخطاب والسياسات والآليات المستخدمة للتأثير، وأن التحدي الحقيقي يتمثل في منع تحويل الاختلاف إلى صراع عبر الاستثمار في الحوار، وتعزيز سياسات العدالة والاندماج، وفصل قضايا الأمن عن التعميم على جماعات كاملة، لأن ذلك وحده يحد من دوامة الاستقطاب ويمنح مسارًا أكثر استقرارًا للتعامل مع العالم المتنوع.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *