يتناول المفكر السياسي عبد المنعم سعيد مدى نجاح الولايات المتحدة في التعامل مع أوجه القصور التي ظهرت في سياساتها الخارجية، وما إذا كانت نظرتها إلى العالم قد أصبحت أكثر واقعية بعد أحداث 11 سبتمبر، موضحًا أن المسار لم يكن خطيًا؛ إذ ساهمت بعض التطورات في دفع واشنطن نحو فهم أدق للتغيرات الدولية، بينما دفعت تطورات أخرى نحو مزيد من التشدد والتطرف.
ويرى سعيد أن صعود موجات التطرف في المرحلة الراهنة لا يمكن عزله عن التحولات الكبرى التي شهدها العالم، وعلى رأسها تداعيات العولمة، وما نتج عنها من انتقالات سكانية من دول الجنوب إلى دول الشمال، خاصة في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية. ويؤكد أن ردود الفعل الاجتماعية والسياسية لهذه التحركات أسهمت في زيادة مشاعر الخوف والرفض تجاه أصحاب الثقافات والألوان المختلفة، ما وفر بيئة مناسبة لخطاب أكثر حدّة وتمييزًا، وانعكس بدوره على السياسات الداخلية والخارجية.
وعلى الرغم من ضجيج التغيرات، يشير المفكر السياسي إلى أن عناصر القوة الأمريكية الأساسية لم تتراجع. فالاتجاه الاقتصادي ما زال يمنح الولايات المتحدة قدرة كبيرة على التأثير، خصوصًا مع استمرار اعتماد النظام المالي العالمي بدرجة واسعة على الدولار. ووفقًا لهذا المنظور، فإن أدوات النفوذ الأمريكية لا تقتصر على السلاح أو الجيوش، بل تمتد إلى التمويل والتجارة والأسواق، بما يمنحها مرونة في إدارة الأزمات والتوازنات الدولية.
وفيما يتعلق بتأثير 11 سبتمبر على رؤية واشنطن للمنطقة العربية والشرق الأوسط، يوضح عبد المنعم سعيد أن بعض التصورات الغربية لا تنبع فقط من الحاضر، وإنما تعود جذورها إلى فترات تاريخية قديمة. فمن خلال حقبة الحروب الصليبية تشكلت صورة نمطية عن الشرق الأوسط والعرب والإسلام، ثم عادت هذه الصورة بأشكال مختلفة في مراحل الاستعمار. ويستشهد سعيد بمحاولات نابليون تقديم نفسه للمصريين باعتباره مسلمًا، وبالاهتمام لاحقًا من قوى استعمارية بإنشاء مدارس ومراكز لدراسة الإسلام والشرق، وهو ما ساهم في بروز حركة الاستشراق وما يرتبط بها من إنتاج معرفي يفرز تصورات وانتقادات وتفسيرات محددة.
ويؤكد سعيد أن التناقضات الثقافية والفكرية والدينية ليست بطبيعتها مصدر المشكلة؛ فالتنوع قد يكون عامل إثراء وتفاعل. إن الخطر الحقيقي يظهر عندما تتحول هذه التناقضات إلى عنف أو تتحول أدوات الاختلاف إلى سياسات قسرية، سواء عبر الحروب أو الاستيلاء على الأراضي أو فرض الهيمنة على الشعوب. عندها يصبح الاختلاف السياسي والديني ذريعة لتبرير الصدام بدلًا من البحث عن حلول.
كما يلفت إلى أن أشكال الهيمنة تغيرت عبر التاريخ. ففي أعقاب انتهاء الاستعمار التقليدي، لم تعد السيطرة تعتمد بالضرورة على القوة العسكرية المباشرة في كل الحالات. بل برزت أدوات نفوذ جديدة تشمل التكنولوجيا ووسائل الاتصال والقدرات الرقمية، حيث تستخدم أنظمة المعلومات والإعلام والتأثير عبر المنصات كوسائل لصناعة الرأي العام أو توجيه السياسات أو الضغط على الحكومات. ويشير ذلك إلى أن المواجهة المعاصرة قد تكون أكثر تعقيدًا وأقل وضوحًا من الحروب التقليدية، لكنها تظل مؤثرة في رسم ملامح العلاقات الدولية.
وبناءً على ما سبق، يخلص عبد المنعم سعيد إلى أن سؤال «هل تجاوزت أمريكا جراح 11 سبتمبر؟» لا يرتبط بإعلان تغييرات شكلية أو بخطابات ردع فقط، بل يرتبط بمدى قدرة السياسات الأمريكية على مراجعة جذور القصور في فهم العالم، والتعامل مع نتائج العولمة والتحولات السكانية والاجتماعية، دون تحويل الاختلاف إلى صراع أو هيمنة، ودون استبدال أدوات السيطرة التقليدية بأدوات رقمية تكرّس التوترات وتغذي التطرف.

التعليقات