كشفت تقارير حديثة عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن العالم يتجه بسرعة نحو تجاوز عتبة حرجة في ملف الاحتباس الحراري، وهي عتبة تُعدّ بالغة الخطورة رغم أن الخبراء يؤكدون أن ما يزال بالإمكان خفض درجات الحرارة وتجنب أسوأ السيناريوهات. وتأتي التحذيرات في وقت تتزايد فيه آثار الطقس المتطرف، بما في ذلك موجات الحر غير المسبوقة، وحرائق الغابات الواسعة، والفيضانات المدمرة، في صورة إنذار واضحة بأن الوقت ليس في صالح البشرية.
وتعود جذور المشكلة إلى تعهدات دولية اتُّفِق عليها بموجب اتفاق باريس للمناخ، حيث وقّعت 196 دولة وإقليماً على الالتزام بالعمل لتقييد متوسط ارتفاع درجات الحرارة العالمية بأقل من درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، مع السعي إلى حصر الارتفاع عند 1.5 درجة مئوية في أفضل الأحوال. إلا أن التقرير الأممي يشير إلى أن المسار الحالي يضع العالم قريباً جداً من تجاوز 1.5 درجة مئوية، ما يرفع احتمالات حدوث تداعيات أشد وطويلة الأمد.
لماذا تُعد 1.5 درجة مئوية عتبة حاسمة؟
على لسان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، فإن ما نشهده من حرارة صيفية لاهبة وحرائق غابات ضخمة وفيضانات مدمرة ليس مجرد ظواهر مؤقتة، بل مؤشرات لما قد يزداد سوءاً إذا لم تتغير السياسات والخيارات بسرعة. ويؤكد جوتيريش أن تجاوز 1.5 درجة مئوية يجب ألا يصبح أمراً واقعاً، وأن تقليل الارتفاع—ولو بدرجات صغيرة—يتطلب طموحاً كبيراً وإجراءات سريعة وحاسمة.
ويركّز التقرير على نقطة محورية: ليس الهدف فقط تجنب كارثة محتومة، بل رسم طريق عملي للعودة إلى مسار أكثر أماناً. فبدلاً من الاكتفاء بالتنبؤ بالمخاطر، يسعى التقرير إلى تحديد الخطوات المطلوبة لخفض الانبعاثات بشكل مستدام، بما يسمح بإعادة الأمور إلى ما دون 1.5 درجة مئوية في أسرع وقت ممكن، وفي الوقت نفسه تقليل هشاشة المجتمعات والاقتصادات أمام الصدمات المناخية.
ملخص التقرير: خفض الانبعاثات الفوري والمستدام
يشير الملخص إلى عنوان لافت: “الحد من التجاوز: التعامل مع تجاوز 1.5 درجة مئوية وسبل العودة”. وفي جوهره، يوضح التقرير أن اقتراب حرارة الأرض من تجاوز 1.5 درجة مئوية يرفع المخاطر والتداعيات إلى مستويات خطيرة وغير مسبوقة. لذلك يدعو العالم إلى هدفين متزامنين: تقليل الزيادة الحرارية بأسرع وقت، وتعزيز قدرة المجتمعات على الصمود.
وتؤكد الأمم المتحدة أن خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري يجب أن يكون فورياً ومستداماً. فالتعامل مع ثاني أكسيد الكربون والميثان تحديداً لا يقتصر على خفض الانبعاثات في المدى القريب، بل يستلزم بناء آليات تجعل هذا الزخم مستمراً على مدار السنوات المقبلة. وتوجد أهمية خاصة للميثان لأنه يرتفع تأثيره على الاحتباس الحراري بسرعة، ما يعني أن خفضه قد يساهم في تباطؤ الوتيرة المناخية بشكل أسرع.
التكيف ضرورة لا تقل أهمية عن التخفيف
إلى جانب تقليل الانبعاثات، يبرز التقرير عنصر التكيف بوصفه جزءاً لا يتجزأ من الاستجابة. فالكثير من المجتمعات تعيش بالفعل آثار تغير المناخ، ويحتاج السكان—سواء في المناطق المعرضة للفيضانات أو موجات الحر أو الجفاف—إلى حلول عملية تقلل الخسائر وتحمي الأرواح وتضمن استمرار الخدمات الأساسية.
ما الذي يعنيه ذلك عملياً؟ (مقترحات داعمة لزيادة الفاعلية)
لزيادة فرص العودة إلى مسار أكثر أماناً، تشير السياقات الدولية إلى أهمية توسيع حزمة الإجراءات، ومن أبرزها:
- تسريع التحول الطاقي عبر زيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة وتحسين كفاءة الطاقة في المنازل والمنشآت.
- خفض انبعاثات القطاعات الأكثر تأثيراً مثل النقل والصناعة والزراعة، عبر دعم تقنيات أنظف ومعايير انبعاثات أكثر صرامة.
- تقليل تسربات الميثان في سلاسل النفط والغاز والنفايات، وتحسين الممارسات التشغيلية والرقابة.
- إدارة المخاطر المناخية من خلال أنظمة إنذار مبكر، وتخطيط عمراني يأخذ الظروف المتطرفة في الحسبان، واستثمارات في البنية التحتية المقاومة للمناخ.
- تعزيز المرونة المجتمعية عبر دعم سُبل المعيشة وتوفير الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر تعرضاً.
في النهاية، لا يقدم التقرير رسالة ترويع بقدر ما يقدم دعوة للإنقاذ: فحتى مع خطورة الموقف، ما زال يمكن—إذا اتخذ العالم خطوات جادة وسريعة—خفض الارتفاع الحراري وتخفيف آثار التغير المناخي، مع بناء قدرة المجتمعات على الصمود. الرسالة واضحة: التقاعس يعني تسارع المخاطر، أما الإقدام على خفض الانبعاثات والتكيف معاً فيمنح فرصة حقيقية لتغيير المسار.

التعليقات