شهدت الصناعات التحويلية غير البترولية في مصر خلال السنوات الأخيرة قفزة لافتة في مؤشرات الأداء، بما يعكس تحولا واضحا في مسار التصنيع نحو توسيع الطاقة الإنتاجية ورفع كفاءة التشغيل وتعزيز القدرة التنافسية للمنتجات المصرية في الأسواق المحلية والخارجية. ويأتي هذا التطور ضمن توجه الدولة لزيادة مساهمة الصناعة في الاقتصاد، ودعم فرص التصدير، وتشجيع الاستثمار في القطاعات ذات القيمة المضافة.
## مؤشرات النمو: تحسن ملحوظ في وتيرة النشاط
توضح المقارنة بين فترتي 2013/2014 و2024/2025 تطورا كبيرا في نمو قطاع الصناعات التحويلية غير البترولية. فقد ارتفع معدل نمو القطاع إلى 7.1% خلال الربع الأول من العام المالي 2024/2025، مقارنة بنحو 1.2% في الربع المقابل من العام المالي 2013/2014. وتعكس هذه الزيادة ارتفاع مستويات الإنتاج وتحسن الطلب على المنتجات الصناعية، إضافة إلى تحسن الظروف المحفزة لنشاط المصانع.
## الصادرات الصناعية: توسع في القيمة وارتفاع القدرة على التوريد للأسواق الخارجية
لم يقتصر التحسن على معدلات النمو فقط، بل امتد بصورة مباشرة إلى أداء الصادرات الصناعية. إذ ارتفعت قيمة الصادرات الصناعية من 18.7 مليار دولار خلال عام 2013/2014 إلى 39.6 مليار دولار في 2024/2025، لتبلغ الزيادة حوالي 111.8%. ويُقرأ هذا الارتفاع على أنه دليل على تمكن القطاع من توفير منتجات أكثر تنوعا وتوافقا مع متطلبات الأسواق الخارجية، إلى جانب تعزيز قدرته على تلبية الطلب الإقليمي والدولي.
ومن زاوية أعمق، فإن نمو الصادرات عادة ما يرتبط بعدة عوامل مثل تطوير سلاسل الإمداد، وتحسين الجودة، وزيادة الالتزام بالمواصفات الفنية، ورفع كفاءة العمليات الصناعية بما يقلل من تكلفة الإنتاج ويزيد من فرص التصدير.
## الاستثمارات العامة: دعم توسع الطاقة الإنتاجية
كما شهدت الاستثمارات العامة الموجهة للصناعات التحويلية غير البترولية نموا كبيرا. فقد ارتفعت بنسبة 205.8% لتصل إلى 15.9 مليار جنيه خلال عام 2023/2024، مقابل 5.2 مليار جنيه في 2013/2014. ويعزز هذا الاتجاه من قدرة القطاع على تنفيذ مشروعات جديدة أو تطوير خطوط إنتاج قائمة، وهو ما ينعكس لاحقا على زيادة الطاقة الإنتاجية وتحسين الإنتاجية.
وعادة ما تُسهم الاستثمارات العامة في دعم البنية التحتية المرتبطة بالصناعة، مثل تطوير المناطق الصناعية والخدمات اللوجستية، وتحسين شبكات الطاقة والنقل، ما يساعد المصانع على تقليل الهدر ورفع المرونة في التوريد.
## دلالات التحول: تصنيع أكثر تأثيرا في النمو والصادرات
تجسد هذه المؤشرات الثلاثة—النمو والصادرات والاستثمارات—ملامح تحول تدريجي في أداء الصناعات التحويلية غير البترولية خلال فترة المقارنة. ففي حين كان القطاع يسجل معدل نمو محدودا في الربع الأول من 2013/2014، أصبح يسجل 7.1% في الربع المقابل من 2024/2025. بالتزامن مع تضاعف قيمة الصادرات الصناعية، وارتفاع الاستثمارات العامة المنفذة بأكثر من ثلاثة أضعاف.
وبهذا المعنى، يمكن القول إن التصنيع بات أحد المحاور الرئيسية في دعم النمو الاقتصادي وزيادة حصيلة الصادرات. غير أن استمرار هذا الزخم يتطلب التوسع في قاعدة الإنتاج، وزيادة المكون المحلي في مدخلات التصنيع، ورفع كفاءة الطاقة وتقليل التكاليف التشغيلية، وتعزيز الالتزام بمعايير الجودة والتصميم بما يدعم النفاذ للأسواق الخارجية.
ولتحقيق مكاسب مستدامة، تبرز أهمية العمل على تطوير المهارات الصناعية، وتشجيع الابتكار ونقل التكنولوجيا، وتسهيل وصول المصانع إلى التمويل، إضافة إلى تنمية القدرة على إنتاج سلع أكثر تعقيدا وقيمة مضافة. كما أن تحسين سلاسل التوريد والربط بين المصانع والموردين يمكن أن يساهم في تقليل زمن الإنتاج وتحسين موثوقية التسليم، وهو ما ينعكس إيجابا على تنافسية الصادرات.
الخلاصة أن «كنا فين وبقينا فين» في قطاع الصناعات التحويلية غير البترولية يظهر كمحصلة واضحة في الأرقام: نمو أعلى، صادرات أقوى، واستثمارات أكبر—وهو ما يشير إلى مسار تصاعدي يدعم دور الصناعة المصرية كرافعة للاقتصاد ومفتاحا لزيادة مساهمة الصادرات في الناتج المحلي.

التعليقات