التخطي إلى المحتوى

استعرضت الإعلامية رشا مجدي في برنامج «صباح البلد» على قناة صدى البلد مقالًا للكاتبة الصحفية إلهام أبو الفتح، مدير تحرير جريدة «الأخبار» ورئيس شبكة قنوات ومواقع «صدى البلد»، المنشور تحت عنوان: «إلا قناة السويس»، ليثير نقاشًا واسعًا حول مقترح اقتصادي يتمثل في نقل ملكية هيئة قناة السويس إلى البنك المركزي.

وبحسب المقال، فإن الاقتراح يقدمه بعض الداعمين باعتباره «حلًا تفاوضيًا» قد ينعكس على خفض الدين العام المحلي وفوائده، من خلال تقييم هيئة قناة السويس بنحو 200 مليار دولار، ثم استخدامها كأصل يُنقل إلى البنك المركزي مقابل تخفيف جزء من أعباء المديونية. غير أن الخبراء الذين تم الاستشهاد برأيهم أكدوا أن الفكرة تحمل إشكاليات عميقة تتعلق بتداخل الأدوار المؤسسية بين الجهة التي تقود السياسة النقدية وبين جهة تُدير وتستثمر أصولًا سيادية.

الدكتور حسن الصادي، أستاذ التمويل والاستثمار بكلية التجارة جامعة القاهرة وخبير الاقتصاد، شدد على أن نقل الملكية إلى البنك المركزي ينطوي على خلط شديد بين مهام البنك المركزي وبين إدارة الأصول السيادية. فالبنك المركزي، كما أوضح، مسؤول عن السياسة النقدية وضبط سعر الفائدة وإدارة المعروض النقدي ومكافحة التضخم والحفاظ على استقرار العملة. بينما تُعد قناة السويس أصلًا سياديًا يحقق عائدًا مرتبطًا بحركة الملاحة العالمية، ويستفيد منه الاقتصاد من خلال حصيلة النقد الأجنبي وخدمة قناة استراتيجية تؤثر في التجارة والاستيراد والتصدير.

ومن منظور الصادي، يطرح المقترح سؤالًا جوهريًا: ما العلاقة الفعلية بين وظيفة البنك المركزي وكونه مالكًا لقناة السويس ومديرًا لها؟ وأضاف أن تحويل ملكية أصل بهذا الحجم إلى مؤسسة نقدية قد يخلق التباسًا في الأهداف، إذ قد يُطلب من البنك المركزي دعم ترتيبات مالية مقابل الدين، الأمر الذي قد ينعكس على التضخم وعلى القوة الشرائية للمواطنين.

كما وافق على الطرح الدكتور يوسف بطرس غالي، وزير المالية الأسبق، معتبرًا أن ربط قناة السويس بالدين العام يكشف عن «جهل عميق بتاريخ مصر» من حيث طبيعة الأصول السيادية ومكانتها في الذاكرة الوطنية والأمن القومي. وأكد غالي أن نقل الدين من وزارة المالية إلى البنك المركزي لا يزيل الدين ذاته، بل يغير فقط حسابات الجهة التي تقع عليها المسؤولية. فالدين لا يختفي بمجرد تغيير تبعيته المؤسسية؛ إنما يبقى عبئه قائمًا، ويظل هناك من سيدفعه في النهاية.

وأوضح بطرس غالي أن البنك المركزي يصدر النقود، وإذا اضطر إلى زيادة الإصدار لتغطية التزامات مرتبطة بتخفيف الدين، فإن ذلك قد يؤدي إلى ارتفاع التضخم وتراجع القوة الشرائية، ما يعني أن تكلفة القرار قد تنتهي على المستهلك عبر الأسعار والقدرة الشرائية، سواء من خلال الراتب أو المعاش أو المدخرات.

وتضمن المقال أيضًا جانبًا توعويًا يتعلق برمزية قناة السويس وتأثيرها الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. فالقناة ليست مجرد أصل مالي، بل جزء من تاريخ المصريين وذاكرة وطنية؛ بداية من حفرها وقرار تأميمها، مرورًا بظروف العدوان الثلاثي، ثم دورها في مراحل الاستنزاف والصمود، وصولًا إلى معانٍ مرتبطة بملاحم وطنية مثل نصر أكتوبر والعبور. كما استعاد المقال صورة المواطنين وهم يثقون في «شهادات قناة السويس» ويقدمون مدخراتهم دعمًا للمشروع القومي، معتبرًا أن أي مقاربة ينبغي أن تراعي أن القناة تُدار بمنطق استراتيجي يرتبط باستمرارية الإيراد ودوره في الاقتصاد وليس مجرد لعبة محاسبية.

ومن الأسئلة التي أثارها المقال كذلك: أين ستذهب إيرادات قناة السويس بعد نقل الملكية؟ وكيف يمكن للموازنة العامة أن تعوض هذا المورد في حال تغير الجهة التي تحصل على العائد؟ وما مصادر تمويل قيمة الهيئة التي سيتحملها البنك المركزي؟ وإذا بقي الدين داخل مؤسسات الدولة نفسها، فماذا ستختلف النتائج على مستوى الأثر الاقتصادي الحقيقي؟

وزاد المقال في التحذير من أن البدء بقناة السويس قد يفتح الباب لمقترحات متتابعة لتسويات مماثلة لأصول سيادية أخرى. فطرح سلسلة أسئلة رمزية وإجرائية يشير إلى ضرورة الحذر: هل ستُعرض الأهرامات أو المتحف المصري ضمن ترتيبات مالية أخرى؟ وهل يتم التعامل مع المقومات الكبرى للهوية والأمن الثقافي على أنها مجرد عناصر تحويل لتصفير أرقام الدين؟

وفي المقابل، اقترح المقال أن الطريق نحو علاج عبء الدين يبدأ من معالجة الأسباب وليس تغيير الأسماء داخل الميزانية. وتحديدًا من خلال زيادة الإنتاج والصادرات وجذب استثمارات حقيقية تخلق قيمة مضافة وتوفر عوائد مستدامة، إضافة إلى رفع كفاءة الإنفاق وتحسين إدارة الموارد العامة. وخلص المقال إلى أن النقاش حول الديون والعجز والفوائد يجب ألا يتوقف عند «حلول انتقال الملكية»، بل أن يُبحث عن مسارات أوسع للخروج من الأزمة عبر إصلاحات اقتصادية بنيوية.

في النهاية، يراهن مقال «إلا قناة السويس» على أن الحفاظ على قناة السويس كأصل سيادي مستقل في وظيفته وتوجهاته الاقتصادية، ومعه الحفاظ على توازن السياسة النقدية، هو ما يضمن عدم تحميل المواطن تكلفة قرارات مالية مرتفعة. كما يؤكد أن معالجة الديون لا تتم عبر تحويلها بين حسابات مؤسسية، بل عبر تنمية قادرة على توليد إيرادات وتخفيض اختلالات الاقتصاد تدريجيًا وباستدامة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *